Posts Tagged ‘ موت المؤلف ’

نظرية موت المؤلف والنص القرآني


تعرفت أول مرة على مذهب”موت المؤلف” حين كانت مصادر قراءتنا المجلات الثقافة، وملخصه نقد النص وتفسيره بغض النظر عن من ألفه؛ تأثير دوافعه وأسبابه وأحداث حياته وبيئته وزمنه على العمل [1]. لم أقتنع به لأني كنت أرى العمل الأدبي نتاج إنساني أخرجته عدة عوامل، لكن لا أجادل لو كان موضع النقد الجوانب اللغوية في النص خلا الوحيين.

مرت الأيام وحضرت مؤتمر للنقد والبلاغة العربية في الجامعة ضيوفه من تونس، عام 2010 تقريباً. كان كل شيء يسير على ما يرام حتى بدأت فقرة أسئلة الحضور. خرج أستاذ ليسأل الضيف:

هل ترى إمكانية نقد النص القرآني دون النظر إلى الآيات التي تحيط به وأقوال السابقين فيه؟ بقصد الوصول إلى معناه.

ظننت أني لم أسمعه جيداً، كان يطرح سؤاله متلعثماً، فطلب الضيف منه إعادة السؤال فأعاده كما هو (لا أذكر نصه لكن هذا معناه)،  فلما أعاده أجاب:
لا طبعاً! النص القرآني فوق كل نقد ولا يمكن اجتزاء الآيات وتفسيرها دون سياقاتها ودون الرجوع إلى فهم السلف.

قالها بصرامة.

الذي ذكرني بهذا المشهد ما كان في تويتر قبل أشهر من نقاش محموم حول نظرية موت المؤلف، استغربت استماتة مجموعة ممن أتابعهم في رفضها. أقصد أنها لم تستحق كل هذا الهجوم فليسو من المتخصصين بالأدب والمتعصبين عموماً. عدت بعد أيام عندما هدأ النقاش لأقرأ آراء المصرين على توظيفها في هذا الزمن أكثر من غيره، فزال العجب!
الزامك نفسك بنظرية موت المؤلف على كل حال يُلزمك لتفسير القرآن الكريم كلام العزيز الجليل مجتزأً كل آية من سورتها وسياقها، قاطعاً علاقتها بالآيات الأخريات، مغيباً أسباب النزول متجاوزاً أقوال الصحابة، مغفلاً السنة النبوية، التي هي مفسّرة للقرآن، والأشد خطورة أن تغيب الله جلّ في علاه، لتفسر القرآن بما تراه وتظنه، أي تعامل النص القرآني على أنه نص أدبي يخضع لما تخضع له النصوص الأدبية من نقد وتفسير وتشريح وتنظير..
لا أدري كيف يجرؤ مسلم على التفكير، مجرد التفكير، بتطبيق هذه النظرية على كلام الحيّ القيّوم، غير مقبول حتى في الإنجيل والتوراة المحرفتين.

وبعض من أيد هذه النظرية أراد الوصول لمعنى الآية دون وصاية أحد كما يقول.

تُعامل معظم الأبحاث الغربية اللغوية القرآن الكريم بوصفه نص أدبي، وتدرسه بكافة جوانبه لأن الباحثين لا يؤمنون بقدسيته ولا يفعل مجملهم ذلك عداءً لأحد، والغالبية تتفق على عظمته وبلاغته وانعدام أشباهه، والذي يشذ عن ذلك ممن يعادي الإسلام، ولا يهمنا هذا الآن. ما يهمني أن معاملتهم للقرآن بوصفه نص أدبي شأنهم هم، لا يدركون أنه تنزيل إلهي وينسبونه إلى محمد عليه الصلاة والسلام لأنهم لا يعرفون الحقيقة ولا يؤمنون لذلك يدرسونه كما يدرسون أي نص آخر، بعلميّة وتجرّد.
أما نحن المسلمون فلسنا كإيّاهم، نعتقد بأنه كلام الله نزله على محمد عليه الصلاة والسلام ونقله لنا بعلومه الصحابة رضوان الله عليهم، فيه آيات بينات، وآيات مشتبهات يعلمها الراسخون في العلم وآيات علمها عند الله.
لكل أحد تدبر معانيه، لكن فهم تشريعه وفقهه والتفسير الصحيح لآياته ليس إلا لمن درس العلوم الشرعية على أسس صحيحة. الموضوع ليس شخصي أو تحيّز أو استعلاء لفئة دون أخرى، فهذا علم ولا يجوز لغير العالمين في تخصصهم الإفتاء فيه، وتشتد أهمية ذلك إن كان متعلقاً بعقيدة الشخص وحياته.

حتى في الترجمة، النص الأدبي لا ننقله إلى اللغة الهدف من اللغة المصدر بمستوى تأثير مكافئ إلا بعد قراءة ولو جزء يسير من حياة مؤلفه وبيئته ومقاصده ولغة عصره لندرك ما يريد من نصه فننقله.

نظرية مثل نظرية موت المؤلف جعلت “إماماً” في أمريكا يُجيز زواج المثليين ويعقده قائلاً إنه لا توجد آية في القرآن تنص على عقوبة له، أي ليس محرماً. نعم لا يوجد آية في الحدود له لكن لم تُنزل العقوبة على قوم لوط في آياتٍ كثيرات إلا بسببه. [2]

نظرية مثل هذه النظرية حصرت الحجاب (سواء الحجاب الكامل أو مجرد غطاء الرأس) على أمهات المؤمنين عليهن السلام وزوجات الصحابة رضوان الله عليهن لأن الآية نصّت على أن الخطاب لأزواج النبي وبناته وزوجات المؤمنين/الصحابة. وجمّدته في تلك الحقبة “التاريخية”.[3]

نظرية مثل هذه النظرية أيضاً أباحت الموسيقى لأنه وبنص القرآن أُمرنا بأن لا ننسى نصيبنا في الدنيا، ومن هذا النصيب الموسيقى التي لم يحرمها نص قرآني. [4]

لا أظن أن مطلقي مثل هذه الأحكام يعلمون بنظرية المؤلف وربما كانت لهم منطلقات وتوجهات أخرى، لكن إلى مثل هذه المآلات وأخطر يؤول اتباع هذه النظرية وشاكلاتها مما يفصل النص عن سياقه ومنزله، سبحانه.

حواشي:
1 للمزيد: The Death of the Author
2 الأمريكي عبدالله من أوائل من قال بذلك صراحة
http://bit.ly/1IGCD8w
2 لا أقصد مفسري الآية 59 من سورة الأحزاب، واختلاف العلماء فيها، بل مقال قديم لكاتبة أعادت قول هذا الرأي غير المعتبر حول الحجاب.
3 ذكرته كمثال، وأستغرب استماتة بعض الناس في إباحتها لدرجة “تصوّر” أنها قضية محورية عقائدية. تريد الاستماع للموسيقى والأغاني والطربيات؟ استمع لها كما تشاء، لكن لا تجعلها قضية كبرى تُجيّر الأدلة  لإباحتها وتكافح تحريمها. أحزنني الشاب الذي جعل استماعه للموسيقى من عمله بما أمره الله به، الآية 77 من سورة القصص.
%d مدونون معجبون بهذه: