Posts Tagged ‘ مالك بن دينار ’

عُد و سأعود | قصّة قصيرة


نُشرت عام 2008 في مجلة نبضنا الإلكترونية – Cksu.com

في أحد التأملات المدينية، وفي ساعة قريبة من الثالثة فجرا من يوم الخميس، غلبتني رعشة ليست رعشة برد، فالنسيم البارد يضفي على ساحات الحرم المدني انتعاشا و طابعا دينيا، وتهتدي بفطرتك إلى أن هذا هو الوقت المناسب ليرتعش القلب توبة و إنابة.
ارتعش قلبي وكأنما بعث، لكن بعثة خفيفة. في ذلك الفجر، أذن آذان الفجر الأول، واستيقظت الأسواق المحيطة بالحرم، وتوافد الناس الذين ظننتهم مثلي، أتوا لمشاهدة الناس!, لكن رأيت ما غاير نظرتي،
رأيت هؤلاء الناس قد انقسموا زمرا بغير انتظام، فهنا هذه الساجدة، وتلك الرافعة يدها, الخافضة رأسها، الداعية بخشوع، وقريبا مني جلست زهرة محتشمة يضيء القرآن وجهها, تترنم بصوت خلاب, خيّل لي أنه مزمار آل داوود، فلم أتبصر بالآيات، حتى تبع الصوت العذب سكتةُ لطيفة اتبعت ببكاء مسكين، ولقربها مني أمكنني من رؤية ما وقفت عليه من صفحة فلمحت آيةُ، ارتعش بعدها قلبي, وأحسست برهبة، لكن تساءلت: لست بمالك بن دينار، ولا الفضيل بن عياض, لأظن أن هذه الآية موجهة لي، لكن فطرة الإنسان لا تخيب، فهي لي وليست لهذه الفتاة الوضّاءة!.
بعد هنيهة، أكملت الشابة قراءتها، وما إن انتهت من السورة حتى رأيت سفر “سحور” صغيرة, مزينة بالرطب و اللبن وماء زمزم, عندما رأيت هذا المشهد داهمتني رعشة أخرى: أرى وجوههن مبتسمة مرتاحة غير متأففة أو مغتاظة، بسلام ربهم آمنين، كل هذا ذكرني بأيامنا الرمضانية، أنا و عائلتي وصديقاتي و حلقة القرآن، وعندما بدأت خيوط الذكريات تنسج، أقيمت الصلاة، فقرأ الإمام نفس تلك الصفحة، وتوقف أيضا عند نفس الآية و استعبر، هذه المرة الثانية، ولم أظن أن الثالثة آتية.

عدت لغرفة الفندق وقد حاولت تجاهل أمر الآية ورعشتا قلبي، لكن محال! فهناك نداء خفي صرح به الصوت الشجيّ للقارئ (أحمد العجمي) عندما أسمعني الآية للمرة الثالثة، فارتعش قلبي ثالثة، فآمنت بالتنبيه ثم أخذت ذكرياتي تتبعثر على طاولة العمر, ومن بينها مشاهد رمضان الماضي، ختمت القرآن مرتين، كنت أصلى 13 ركعة في التراويح، داومت وصديقتي على برنامجِ للحفظ, و التزمت مع أخي بدرس قيّم قبل انفلاق الصباح.
أحسست بنشوة العيش وقيمة الحياة، لكن ما لبٍثَت أن خَبَت، فها أنا ذا فتاة في ربيع العشرينيات، أحرقَت ورد بستانها عندما غاب البستاني، منتظرا هذه الجنة أن تزداد بهاء عندما يعود في الغد،
نظرت لحالي، وقبل وصولي إلى المدينة النبوية، لم أسمع القرآن ولا من فيّ إلا عرضا، استخففت بالنوافل، استثقلت قيام الليل, وتحرجت من مدامع الشوق والتفكّر، أطفأت الشمعة بداخلي التي حاولت أن تحترق لتضيء، كنت أحمل القلب الطاهر بكلمات لساني, و أخبئ ذاك الأسود الكالح لينبض ويحيي روحا أهلكتها سبل اللذائذ, التي لم تحصد منها إلا القليل. أعياني التفكير، وغالبتني حسرة، فسبحّت من يبدل من حال إلى حال، فتلمست مصحفي الراكن في حقيبتي ,وقد وضعته كعادة! والتي كادت أن تصبح أطلالا لولا هذه الليلة، فتحت المصحف وكلي أمل أن أرى آية تطمئن روعي، أو تشد عزمي، فما وقعت عيني إلا على خبط المصحف المتدلي من أعلى صفحة المصحف والذي يحدد موضع آخر مراجعة لحفظي: الجزء الرابع، سورة آل عمران، بداية الآية: “إن الله لا يضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى”, راجعت أرشيف ضياعي, فوجدت أن هذا الخيط وضع قبل أربعة أشهر تقريبا، أربعة أشهر وهذه الآية تقوي توكلي!، وتبشرني، وتقربني للباري جل وعلا… أربعة أشهر تغشتني غفلة، أربعة أشهر لم أتبع سنة الحبيب صلى الله عليه وسلم!، أربعة أشهر حداد أنهيتها بشهقة تبعتها بدمعة أظنها للتوبة، وبعد أن بزغت الشمس عقدت العزم متوكلة على الله, أن لا تنام روحي بعد الآن في جلباب الجفاء الكالح, الذي قشعته الآية (ألم يئن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله) سورة الحديد.
ابتدأت كروح مولودة، وأنتظر عودة رمضان هذا العام لأعود في زمرة (المشّائين في الظلم), و (المستغفرين بالأسحار) كما اعتدت، ولله حسيب في كل أمر.

%d مدونون معجبون بهذه: