Posts Tagged ‘ فلسفة ’

مشكلات الفلسفة لـ برتراند راسل


ملاحظة: اقفز فضلاً للفقرتين الثانية ,الأخيرة فهما ما يتناول الكتاب مباشرة، فقد بدأت كتابة التدوينة لأخبرك عنه لكني حوّرتها لتكون تجربتي معه.

CYG7U57WMAECncl

حين أرى من وصل عمر السبعين وما بعدها، أفكّر: هل ظنّوا أنهم سيبلغونها يوماً؟ ما طعم ذكرياتهم؟ ما قيمة الأشياء الآن؟ هل ما كان شجاعةً في الشباب أثبت حماقته عند المشيب؟ هل كشفت مرارات الشباب لهم عن خيراتها؟ كيف كانت تصوراتهم عن هذا العمر؟ كيف السكينة والطمأنينة؟ … وغيرها من الأفكار والتساؤلات التي تندرج تحت تساؤل: ماذا  بعد سن الأربعين؟

برتراند راسل، إيرل ويلزي يُعد إنجليزياً لأنه عاش معظم حياته في إنجلترا، عاش 98 عاماً، فيلسوف ورياضي عبقري. ألف كتب في الرياضيات والمنطق والفلسفة، وهو أحد مؤلفَيّ كتاب مبادئ الرياضيات Principia Mathematica، وكثير من كتبه مترجمة للعربية [1]، ترجمات قديمة بعضها نفد من المكتبات القديمة حتى، وقد توقفت كثيراً عند عمره الذي عاشه ومراحله التي مرّ بها.

وصلني كتابه The Problems of Philosophy الذي نشره عام 1912 -بعمر الرابعة والأربعين- من دار عالم الأدب -مشكورةً- لترجمته، اطلعت عليه وتحمست له لعدة أمور:

  • كاتبه إنجليزي.
  • سأقرأ كتاباً يُنظّم لي مبادئ الفلسفة، بعد قراءات متبعثرة.
  • أهمية الكتاب في مجاله وكونه مما نفدت نسخ ترجمته فاحتاج لإعادة الترجمة.

أرسلت موافقتي للدار وأجلت العمل عليه قليلاً لأني كنتُ قد بدأت -قدراً- بحثاً لغوياً حول أحد مواضيع القرآن الكريم.

استلزم البحث اللغوي قراءات في عدة علوم أهمها التفسير، مع بعض الأبحاث والدراسات الأجنبية، وقراءة متكررة تحليلية للآيات القرآنية.

بدأت ترجمة الكتاب ولمّا انتهيت من ذلك البحث، وبطبيعة الحال استلزم مني قراءات منظمة أيضاً في المذاهب الفلسفية وعلمائها وما إلى ذلك من مواضيع فلسفية. فالكتاب مُعد لطلبة الفلسفة، يبدأ راسل بمثال، ثم يتدرج في شرح المفاهيم الفلسفية ويعرض آراء الفلاسفة وعلاقة الفلسفة بالعلوم وهل هي علم أم عملية عقلية مجردة والفرق بين الفلسفة والمعرفة وما إلى ذلك من شؤون فلسفية.

تبددت حماستي خلال قراءة الكتاب والقراءات الجانبية واستحالت إلى شعور بالقتامة، لا أدري إن كان هذا مصطلحاً عربياً لكني أستخدمه للتعبير عن شدة الضيق في الروح وسوداوية مقيتة، وكادت تطفر مني دمعات في مواضع.

الكتاب ليس وجدانياً طبعاً، وكل المواضيع التي تناولها تناولها بحياد لأنه مدخل للطلبة حتى مفهوم الرب ووجوده تناوله كما يراه بعض الفلاسفة [2]، لكن في القراءات الجانبية حين تقرأ أن فيلسوفاً يقول إن الرب يرى الأشياء مادام فاتحاً لعينيه وتغيب عنه إن أغمضها كما نفعل تماماً، وهو القول الذي توصل إليه بعد تفكّر في وجود الأشياء، تتساءل: إن كان يغيب عن الرب -جل في علاه- الذي أمامه، من يدبر الكون؟ ولِمَ خلقه أصلاً إن عجز عن تدبير الشيء إلا إن كان تحت عينه؟ فيمر بخاطرك اللطف الذي شملك به في مواقف الخطر المحدق، وآية الكرسي التي تثبت أن لا سنة له ولا نوم سبحانه..

حين تصل مرحلة عرضه مفهوميّ الزمان والمكان، وتقرأ جانبياً أيضاً أن بعض الفلاسفة أنكر الغيبيات لأنها لا تحصل في زمانه ومكانه الذين يُعرّفهما مما يعني انعدام الإله، وتعلم أن حيّز الغيبيات ليس كحيّز الحياة الأرضية فلا معنى للمقارنة وتجاوز ما لا يدركه عقلك، تدرك عظمة التوحيد الذي يشترط عليك الإيمان بها التي لا تدرك كُنهها وتصدقها الخبر وترى أثر بعضها [3]

خلال القراءات الفلسفية تدرك يقيناً وبالتجربة الفرق بين الظلمات والنور في “الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور” .. الظلمات ضلالات في كل وادٍ، عينان معميتان، تيه في المسير، والنور واحد، واضح، مُريح ومستقيم، مهما ملت فما زلت تبصر لتعود.

لا أظن أن هذا الأثر سيكون لو لم تسبقه تلك القراءات في العلوم القرآنية، وحين تواجه نفسك بحقيقة أن الله أنزل لك الدين ليكفيك صراع مآلات الأسئلة الميتافيزيقية التي لا يحيط بها إلا هو سبحانه، فالفلاسفة بمجملهم لم يطرحوا أسئلة الألوهية عبثاً بل كانت نهاية مقدمة الأسئلة المعرفية التي ألزموا أنفسهم بإجاباتها، وأذكر في ذلك الحديث “لا يزال الناس يسألونكم عن العلم حتى يقولوا: هذا الله خلقنا، فمن خلق الله؟” [3] ، هذا لا يعني أنهم منكرين لوجود الله سبحانه، بل معظهم يؤمن به.

انتهيت من ترجمة الكتاب واستأنفت البحث اللغوي، قرأت الآيات كما لم أقرأها من قبل، يدبر الأمر، اللطيف الخبير، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، “ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً..” ، “ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور” … ، كيف يا رب حال من وصل أرذل العمر ولم يعرفك؟

يقول راسل، وهو محق، إن كل العلوم بدأت بفلسفة، وهو طرح السؤال والبحث عن إجابته ثم استخلاص القوانين والأُطر العامة وبعدما اتضحت معالمها صارت علوماً مستقلة، ولن تستمر في توسعها ما لم يواصل علماؤها الفلسفة/طرح الأسئلة وطرح إجاباتها. وفي هذا الجانب يقول أيضاً أن ما لكل الأسئلة إجابات يعرفها الإنسان، وما كل سؤال تجب إجابته، تغير المذاهب والآراء وتنوع المكتشفات منذ عهد أفلاطون حتى الآن يثبت لنا ذلك، وليس من الفلسفة تعقيد المواضيع والجدل فيها.

هل أنصح بقراءة الكتاب؟ نعم، ولحسن حظك أني قد ترجمتُه حتى لا يفوتك الخير الكثير ( : .

هل سأكرر ترجمة كتابٍ من هذا النوع؟ بكل تأكيد، إن أذن الله.

هل الكتاب كئيب وشائك كما يُوحي به الغلاف؟ لا ، بل يسلط الضوء على ما هو أساسي ورئيسي في الفلسفة بطريقة تحليلة منطقية مفهومة بلا تعقيد، وهو ما اشتهر به راسل، كما يصحح مفهومك للفلسفة وبالتالي نظرتك لها.

يتكون من 15 فصلأً، كالتالي:

  1.  بين المظهر والماهية
  2.  وجود المادة
  3.  طبيعة المادة
  4. المثالية
  5.  المعرفة بالدراية والمعرفة بالوصف
  6.  حول الاستقراء
  7.  حول معرفتنا بالمبادئ العامة
  8.  إمكانية المعرفة القبلية
  9. عالم الكلّيّات
  10. حول معرفتنا بالكلّيّات
  11. حول المعرفة البدهية
  12. الصواب والخطأ
  13.  المعرفة والخطأ والرأي المحتمل
  14.  حدود المعرفة الفلسفية
  15.  قيمة الفلسفة

الكتاب سيكون أول مرّة على رفوف دار عالم الأدب في معرض القاهرة الدولي للكتاب.

حواشي:

[1] قائمة كتب برتراند راسل وسيرته الذاتية

بالإنجليزية: http://bit.ly/1RXYTMA

بالعربية: http://bit.ly/1OpKOF8

[2] لم يذهب راسل بعيداً في الغيبيات كالجنة والملائكة والشياطين والشر والخير لموقفه منها ولعدم حاجة طلبة الفلسفة لها في هذا المستوى، ولم يناقشها طبعاً دينياً في عرضه العارض.

[3] من لطيف ما عرضه راسل أن الشيء يُدرك وإن لم يُرَ، ولا يُشترط في وجوده رؤيته عين اليقين، وهو بهذا وبطريقة غير مباشرة يُثبت وجود الإله الذي ينكره فلاسفة آخرون سواء إنكار كُلي أو إنكار الكُنه المختلف، جل في علاه.

%d مدونون معجبون بهذه: