ميراج: الانتقاء البصري المختلف


50-things2

أتابع مجموعة من الحسابات على الشبكات الاجتماعية التي تتخلف في محتواها وتتفق في اختصارها إياه وتقديم تفاصيله عبر الصورة والفيديو، وفي مقدمتها الحسابات الطبية الجراحية. ضاقت ذاكرة جوالي من هذه المحتويات وطالت قائمة الإعجابات في تمبلر وإنستغرام، لذلك أقدم لكم حساب ميراج على تويتر وإنستغرام أعرض فيه ما انتقيت من تلك مع مصادرها.
أهلاً بكم في ميراج:
Twitter.com/Medthings
Instagram.com/Medthings
ميراج بالإنجليزية السراب، ولا أعقد أن من تسمت به في الحجاز أو بعض الدول العربية يقصد أهلها هذا المعنى، فاللغات تتوافق في الكلمات وإن لم تتفق في معانيها، واخترته لوقعه الصوتي الجميل، خاصة عند تفشي الجيم.

ماذا بعد الأربعين؟


يؤرقني سن الأربعين منذ علمت أنه سنّ الأشد، سن الحكمة وسن الحياة الحقيقية.
منذ تلك اللحظة خططت لأشياء كثيرة، وفعلت أشياء أكثر ولا زال ينتظرني الكثير الذي أرجو أن تسع سنون ما قبل الأربعين لبعضه وأعوض فيها عن إخفاقاتي.
الوظيفة عمل حقيقي مُنتج أيضاً، فهي التي ستُمكنك، أياً كانت وأخذت شكلها ولو كانت عملاً حراً، في الميدان الذي ستختاره لما بعد الأربعين.

حاولت ضبط تسارع التخطيط حتى سمعتُ الذي قال: إن خرجت من الشباب بلا مصيبة فاحمد الله. هنا معادلة: الاستعداد لما بعد الأربعين بالخروج مما قبلها بما يرضي الله، ولا تزيدني الأيام إلا مراجعةً لقوائم الأولويات لأستقبل الأربعين وقد أحسنت فيما قبلها، ليتسيّد السؤال اللحوح: وكيف الإحسان فيما قبلها؟

أتابع منذ فترة طويلة حساب “سكّان نيويورك ” على الإنستغرام. كان حساباً مُثرياً مُثيراً أستمتع بقراءة القصص التي يتلقاها من أفواه السكان مع صورهم حتى فترة قريبة، فصار مصدر بؤس.

المشردون، القرارات غير السليمة خلال فترة الشباب، تضييع مصدر الدخل المضمون لصالح السراب، التسرب الدراسي، الإدمان، التخلي عن العائلة انبهاراً بالأوهام المنسوجة حول المدينة والأصدقاء وفرص العمل الكبيرة. تشترك كل القصص التي هذه محاورها بأن أبطالها جاوزوا الأربعين أو قاربوها، وأن قوّة الشباب ونشاطه حصر تخطيطهم الحياة في حدود اليوم وغايتها تلبية الرغبة.

أحدهم قال إنه بدد 15 عاماً من عمره في محاولة أن يكون ممثلاً، وقد ترك الكلية لأجل ذلك.. لينتهي به الأمر -عند التقاط صورته- يبيع التذاكر ليؤمن قوت يومه. وهذه صارت شبه مشردة لأنها تركت شقتها ودخلها المضمون رغم نصيحة أصدقائها لتفتتح مقهىً حُكم عليه بالفشل منذ بدايته – أو أنها لم تحسن إدراته، وتلك هربت من منزل والدتها لتنخدع بمن أحكم قبضته عليها لتهرب مرة أخرى لكن بعد إنجابها خمسة أطفال لاقت وإياهم أنكالاً وجحيماً.

لربما ناسب أن أعلق على مثل هذه القصص أنها كواليس الحضارة الغربية البئيسة، وهي فعلاً كذلك.. لكن هذا التعليق لا يكفي، ذاك الموهوم قد يكون أنا، وتلك المشردة قد تكون أنت ولو كنا في مجتمع آمن متكاتف حالياً، إلا أن تتداركنا رحمة الله ونُرزق البصيرة والرشد.

يُغضبني أن أسمع من “ينصح” الشباب أن سيروا خلف أحلامكم مهما كان الثمن! يدفع بهم للمحيط دون أن يعلمهم السباحة وطوق النجاة الذي يمنحه هزيل! احلم عزيزي الشاب وغامر وافعل ما تريد واستقلي عزيزتي طالما أنه مباح، لكن لا تضيع في سبيل حلمك ضرورات حياتك: الدين، العائلة، الصحة والتعليم. هي التي ستبقى لك لو تقلبت بك الحياة، ولابد.

كل المميزين حققوا أحلامهم لأنهم حافظوا على هذه الضروريات، استقاموا عليها وإن قصروا فيها لم يُنزلوها من قائمة الأولويات، أبداً، حتى لما وصلوا الأربعين بدؤوا حياةً أخرى، هي الانعكاس الحقيقي لما بذلوه خلال العشرين عام الماضية.

هامش:

تعرفت قريباً في غرفة الانتظار على فتاة لطيفة، كانت تحكي لي رغبتها في تطوير لغتها الإنجليزية لأجل عملها، ثم أخذت تشرحه ومعها قريبتها التي تعيل خمسة أطفال تدعمها، كدت أطلب منهما السكوت.. فمنذ ساعتين تقريباً دخلت في نقاش مع امي حول أمر كانت تحاول إقناعي بأن أتراجع عن تراجعي عنه لتختمه بـ: العلم نور وما أسمح لك!

تلك الفتاة اللطيفة لم تكمل دراستها لذلك تقدمت لهذه الوظيفة ذات الدخل الشهري “العالي”.. المفارقة أن قريبتها كانت معها في المجال نفسه إلا أنها تركته لـ “تكمل” دراستها في الثانوية..

اضطراب الهوية وانتكاسة الفطرة


يضج العالم منذ أيام بقرار المحكمة العليا في أمريكا بإقرار زواج المثليين، أقرته قبلها دول أوروبية منذ أكثر من عقدين. المختلف الآن هو أن قائدة الحضارة الغربية، التي تُفصَّل معايير التطور والإنسانية وفقاً لرؤيتها، هي التي باركته محفوفاً الاستقبال العالمي الذي أعدّ له الإعلام منذ سنين عبر تطبيع السلوك المثلي.

القضية ليست بهذه السطحية بطبيعة الحال، فهي مرتبطة بطريقة أو أخرى بالحركات الأخرى كالنسوية والإلحاد، أُسيء فهمها أو عُمل بها كما أُريد لها، كما تتعلق بالقانون، تشريعاً وتطبيقاً وإبطالاً، ولا يمكن بحث هذا السلوك والمنهج بمنأىً عن غيره، وما ستركز عليه هذه التدوينة ما اتصل بمنشأ الميل: الهوية.

منذ 15 سنة، أي في عام 2000 تقريباً، شاهدت مشهد من فيلم لموظفة تطلب من صديقتها تمثيل سلوك رمزي وتشرح لها أنها لا تستسيغه لكن تريد تنفير شخص يتقرب منها، نجحت الخطة وعبر عن صدمته بتوجهها. لم يظهر في ذلك المشهد أي شيء يدل على ما كان ذلك السلوك، لكن الموظفتين اتفقتا على كتمه عن بقية الموظفين.

ومنذ 4 أشهر قرأت كتاب How to Change the World حول الريادة الاجتماعية. كتاب جميل ورائع حول تجارب الريادة الاجتماعية المحلية المغمورة حول العالم. استوقفتني فيه قصة شاب أمريكي يُساعد المتقدمين للجامعات في كتابة خطابات القبول، من ضمن الأمثلة التي ذُكرت ما كتبته فتاة في خطابها:”أدركت أني مثلية عندما كنت في الثامنة حين عبرت صديقتي عن إعجابها بوسامة شاب ولم أرَ فيه ما رأته.” هذا المثال لم يُضف شيئاً للقصة والتجربة، كتبته الفتاة بعمر 18 تقريباً. صدر الكتاب في 2007، ومكث كاتبه فترة طويلة في إعداده.

7 سنوات تقريباً تفصل بين مشهد الفلم ذاك وهذا الكتاب، ولاحظ المفارقة: المثيلة استخدمت للتنفير ثم صارت من ثوابت الذات، الذي رأيته بتجربة الفتاة هو اضطراب هوية، فقد كانت في عمر لم تكتمل فيه تصوراتها عن الفروق بين الأولاد والبنات ومفهوم الذوق والتفضيل ومع ذلك قالت عن نفسها أنها مثلية. تشوهت فطرتها قبل أن تعرف ماهيّتها، وإذا تتبعت مفاهيم المثلية ورموزها وحركاتها ستجد أنها ارتبطت بالهيبيز: ثقافة الثورة وتيه الذات وضبابية المفاهيم.

قرأت قصص للمثليين، وأكثر ما كنت أتأمله هو ملامحهم. لاحظت أن الغالب الأعم من الثنائيات الأنثوية واجم وبدين وملابسه رجالية بينما الثنائيات الذكورية تظهر عليها السعادة والعناية بالمظهر. يذكرني ذلك بظاهرة البويات عندنا، أو المسترجلات إن شئت. حين تقترب من هالاتهن ستلاحظ أنها فقاعة اصطنعتها لنفسها رفضاً لهويتها الأنثوية وحماية لنفسها بترويعها* غيرها وتفرداً يمنحه إياها وسطها. وغالباً ما يتشكل هذا الميل على هيئة سلوك في سن المراهقة، المرحلة المضطربة.

الذي خرجت به، واتفق مع دراسات نفسية، أن أصل ذلك أحد اثنين: الحرمان أو الإسراف، أو الإفراط والتفريط إن شئت، في مرحلة مبكرة جداً: ما بين السنة الثانية إلى السابعة من عمر الفرد.

أبدأ بالحرمان، ومن أسبابه:

  • منع الطفل من التعرف على هويته النفسية والجسدية، وأبرز مظاهره غياب القدوة الذكر لدى الولد والقدوة الأنثى لدى البنت. هذا لا يعني وفاة الوالدين، بل أنهما لا يتصرفان كما ينبغي لهما: الأب كرجل والأم كامرأة.
  • فقدان قيمة الذات، فلا يقدّر الوالدان قيمة الطفل، لينشأ خاوياً من احترام نفسه والجرأة على ما يمنحه تقدير الآخرين وإن كان لا أخلاقي.
  • غياب الأمن النفسي، فلا يجد الطفل من يشعره بالحماية وإن رعاه فإنه سيتخلى عنه تحت الظروف الطارئة.

هذه النقطة والتي سبقتها هي المدخلان الرئيسيان للتحرش بالأطفال: يعلم المتحرش أن الطفل يحتاج للقبول وأنه غير مؤمّن فيجترئ عليه، وهو وفي أغلب الحالات المسبب الرئيسي لكل الاضطرابات النفسية المتعلقة بالمثلية.

أكثر من يعاني من الحرمان البنات، فهي لا تجد قبولاً لها كأنثى، نعم هذا موجود حتى لدى الغرب، ولا تجد من يحميها، فتختار المظهر القوي المتمثل بالاسترجال وتميل لبنات جنسها لأنهن لن يؤذينها فهن مثلها: يبحثن عن الأمن وعن العاطفة.

أما الإسراف فيمكن اختصاره في تمتّع الطفل بكل شيء وحرية مطلقة غير محدودة حتى لا يبات يقنعه الطبيعي فيلجأ لما يصادم الطبيعة والمجتمع ليلبي ما لا حدّ له. وأكثر من يقع تحت تأثيره الأولاد.

ومناط ذلك كله الهوية: فمهما عانى الطفل أو المراهق من الحرمان أو أُسرِف فيه، فإن إدراكه لهويته وسبب وجوده في الحياة ستخففان عليه آثار كل الاضطرابات النفسية وسيتمكن من مجاوزتها بعد مرحلة المراهقة ليعيش حياة سوية وبنّاءة. حتى إن استمر في ذلك خلال شبابه وكهولته، ما إن يعالج مفهوم الهوية لديه سيستقيم حاله.
وللأستاذ عبدالله الوهيبي سلسلة حول الهوية، أجدها ثمينة #وعي_الارتباك

ربما اعتدلت في تربية ابنك وكذلك فعلتِ مع أختك، يبقى عليك تشنيع مفهوم المثلية بطريقة تربوية، فهم سيرون صوراً ويقرؤون قصصاً ويسمعون مواقف، مهما بلغت رقابتك لن تكون أقوى من رقابتهم لله. لن يفعلوا شيئاً مما يُعرض عليهم، إلا أنه سيكون في حكم “العادي”، العادي الذي سيسمح باللاعادي يجري أمامه ثم يؤيده ثم يُشرّعه ثم يُجرّم من يعترضه.

ورأيت بعض المراهقين والمراهقات قد رحبوا بالقرار عند إعلانه لأنهم لم يدركوا شناعته وأبعاده، طيب هؤلاء لسن بناتي ما شأني بهن؟ هن شأني وشأنك لأنهم الجيل القادم الذي سيربي الجيل الذي يليه، فما هي القيم التي تريد أن ينشأ عليها أحفادك تحت أيديهم؟ ألسنا أمة البنيان المتراصّ؟

ـــ

* الترويع المقصود هنا السلوك الذكوري المُريب الذي يتبعنه في النظر مع غيرهن والتعامل معه.

تربّص قياس [2]


في كل مرة ينجرف فيه أي حديث جماعي إلى فقرة اختبار القدرات ألاحظ اندفاع السيالات العصبية على هيئة عبارات وحركات تهزّ صفو الود الذي خيّم على الجلّاس قبلها وتظل تردد الأمهات والطلبة أنه نوع من الاستقعاد الذي يُقعد الطالب عن مستقبله. السؤال الذي لا يفارقني خلال ذلك:” تبغون مستقبل أي شي؟!”

اختبار القدرات عتبة حتمية لدخول الجامعة، بغض النظر عن رأيك حوله وموقفك منه، لابد لك من اجتيازه لتدخل التخصص الذي تريد في الوقت الراهن، لكن لماذا هو قبل الجامعة؟ لماذا المسؤول عنه أصلاً وزارة التعليم العالي لا وزارة التربية؟

أشهر شكويَين في التعليم العام هما التلقين وقلة التجهيزات. وأشهر مصيبتين في التعليم الجامعي هما الأبحاث والأنشطة. تعارض المخرجات مع المتطلبات يُبطئ عمليات التعلّم ويستنزف ما يستنزفه في إعادة تأهيل الطلبة في سبيل إعدادهم مهارياً وذهنياً للتعامل مع التخصص العلمي الذي اختاروا استغراق أعمارهم القادمة فيه. لذا، وتسريعاً لهذه العمليات فرضت وزارة التعليم العالي اختبار القدرات، الاختبار الذي يُرشّح بطريقة مباشرة الطلبة الجامعيين، ويحفز بطريقة غير مباشرة ذهن الطالب باستمرار ليكون مستحضرا جميع القدرات التي تعلّمها منذ الأول الابتدائي وحتى الثاني ثانوي. انثروا هذا الكلام الإنشائي في الهواء، ولننظر إلى الواقع، هل يختبر قياس القدرات التي يحتاجها فعلاً طالب الجامعة؟ لـ نستفرد أولاً بالقسم اللفظي. كلنا عرب، وكلنا نفهم الكلام العربي، وكلنا قرأنا الكتب الدراسية وحفظناها عن وجه قلب، لِمَ الاختبار اللفظي إذن!

 استيعاب المقروء: ما كل من يقرأ يستوعب ما قرأه، افرض مثلاً أن لديك تكليف بقراءة بحث من 20 صفحة، طلب فيه الدكتور أن تكتب أهم النقاط التي وردت فيه وما فهمته منه، إن كنت تستطيع ذلك، لِمَ تضيق ذرعاً بهذه الأسئلة في القدرات؟ عدّها من الدرجات المجانية التي ترفع مستواك إن كان ولابد (:

إدراك الخطأ السياقي: سُعدت أيما سعادة لما علمت بإضافة هذا النوع من الأسئلة للقدرات. لأنه يقيس قدرة الطالب على “ترشيح” المعلومة التي تصله (حين يُلقيها المُحاضر في الجامعة مثلاً)، ثم تحليل المتاح ثم التصويب الجازم. ما حاجة العلم لمن يعرف الخطأ لكن لا يستطيع تقديم البديل؟

التناظر اللفظي: وهذا من أمتع الأقسام إذ فيه يستنتج الفرد العلاقة بين فكرتين، ثم يقيسها على غيرها حتى يجد ما يطابق أسسهما، وهذه القدرة إذا ما كانت عالية تفيد الطالب الجامعي في ربط أفكار تخصصه ببعضها وتجاهل الغريب عنه لينظم تركيزه واستيعابه للعلم.

إكمال الجُمل: في الحياة الجامعية ربع الجهد على الأستاذ وثلاثة أرباعه على الطالب، العملية أشبه ما تكون بلعبة البزل: الأستاذ يضع قطعة، ثم يبحث الطالب عن القطعة المناسبة مع ما وضعه الأستاذ، ثم يضع الأستاذ قطعة ثم الطالب قطعة، وهكذا حتى تكتمل لوحة التعلّم؛ الأستاذ يضع أساس والطالب يبني عليه. فإذا لم يعرف الطالب كيفية التوفيق بين المطروح وبين المطلوب لبعثر وقته وجهده وعلمه، وهذا ما يُقصد به من اختبار “إكمال الجمل”: مستوى القدرة الذهنية على ربط الموجودة بالمحتمل المفقود.

ولأن جميع هذه الأقسام تختبر قدرات مكتسبة، فإنه يمكن تعزيزها عبر استيعاب أساسياتها وتعويد عضلات الدماغ عليها، ما دُمت تؤمن باستحقاقك لكرسي في الجامعة، اعمل لذلك ثم أثبت وجهة نظرك حول اختبار القدرات، التي ستغيرها حتماً ( :

هامش:

يعجبني شرح ا. ياسين رمضان للتناظر اللفظي.. بالرغم من أني اختبرت اختبارات قياس عدة مرات، إلا أني ذُهلت من طريقة تحليل العلاقات، لم أُدرك أني أُدرك كل هذا!

تربّص قياس [1]


تنطلق قريباً الفترة الأولى من اختبار القدرات العامة لطلبة المرحلة الثانوية.. قلت اختبار؟ أقصد استقعاد!

أبدأ بهذه التدوينة سلسلة مقالات حول تربّص قياس بطلبتنا المساكين (: اقرأها، وأقرِءها من لديه اختبار قدرات .. افتتاحية السلسلة مقال كتبته العام الماضي:

وش بينك وبين قياس؟

          خلال إقامة برامج التهيئة للقدرات العامّة والتعريف بمنصة نون، وصلتني الكثير من الأسئلة، هي ظاهرياً أسئلة إلا أنّها تخفي وراءها خوفاً وتوتّر واستشرافاً للفشل، حتى الاعتراضات السامجة كانت قناعاً لذلك. الهالة المُرعبة والتضخيم والتهويل أشعرتنا بأننا عاجزين وأنّ كل ما يريده قياس هو تسفيه أحلامنا والقعود عن المقاعد الدراسية التي نستحقها فعلاً..

        كان أخي في أوّل الصّيد الذي اصطادته قياس في اختبار القدرات العامة،وقد فررت أنا منه إذ كانت دفعتي آخر دفعة اختبرت أسئلة توجيهي ومن بعدها فُرضت القدرات ورُفعت أسئلة الوزارة. لم يغادرني شعور الانبهار بإنجاز أخي فيه، الانبهار الذي امتد عقداً تقريباً، حتى جرّبته بنفسي.. ما إن وصلت البيت بعد الاختبار حتى جاءني  مطمئناً: “لا يضيق صدرك إذا أخذت 40 أو 50، فيه فرصة ثانية وثالثة”، نهرته إلا أن الخوف المنوّم داخلي تنبّه .. 40 أو 50؟! صحيح لا أحب الرياضيات إلا أني استطعت حل الكثير من الجزء الكمي في القدرات.. معقول القدرات تبدّل الدرجات؟ أو إن قياس كتب الأسئلة بطريقة لا يفهمها إلا العباقرة، وكل ما حللته كان استذكاءً منّي؟ طيب ودرجة الـ IQ ؟ بس يقولون إن القدرات للعباقرة مرة مو للي أعلى من المتوسط بشوي بسبب الجزء اللغوي..

     اختبرت من الغد اختبار كفايات اللغة الإنجليزية – تخصصي – ولم أرَ نتيجة الاختبارين إلا بعد شهر.. صدّقت نتيجة الكفايات، إلا أني لم أصدق نتيجة القدرات ولتعرف مدى سوء سمعتي في الحساب اعرف أن تعليق أمي على الدرجة كان :”يمكن ملخبطين بالدرجات” .. خبا انبهاري بإنجاز أخي.. ههه لم يكن إنجازاً، كان شوية استعداد رياضي ونفسي وهو أصلاً تخصصه علمي ومعدله عالي لذلك كانت نتيجته في القدرات عالية. مع ذلك لا أُنكر أني أصبحت أرفض إعادة الاختبار جملةً وتفصيلاً، بالرغم من تصريحي بأمنية اجتياز الـ GRE : ) .. لأن لدي فوبيا الاختبارات.

 التجربة الثالثة كانت المحك: هل يستقصد قياس الوقيعة بين المختبر ومستقبله؟

      كنت أدرس الدبلوم التربوي، وسجّلت في الدفعة الأولى التي اختبرت كفايات المعلّمات، ولا أزال أذكر النقاش الذي دار حول حتمية اختبار جميع المتقدمين لمهنة التدريس وخلخلتهم كيلا يدخلها إلا من يستحقّها. كان دخولي الاختبار من باب اغتنام الفرص، وتختبئ خلف هذا الباب رغبة في اختبار نوايا قياس خاصّة أني كنت أذم من لم يجتزه من المعلمين : )

       يختبر اختبار كفايات المعلّمين والمعلّمات المتقدم في (الكمي، اللفظي، التربوي، التخصص)، بالرغم من الدبلوم التربوي، قرأت الكتب التربوية، بالرغم من تخصصي الإنجليزي راجعت القواعد الإنجليزية.. ظهرت النتائج، كانت الغالبية متبرّمة من صعوبة الأسئلة وتعجيزية المسائل ورفعت صوتها بأن التدريس مهنة يدخلها أي أحد ولا يحتاج لاختبار ولا ما يحزنون، وأصلاً قياس لم يكن إلا ليزيد معدلات البطالة بقناع رسمي.. صحيح أنّي لم أتوظف بدرجتي العالية [  : ) ]، إلا أنّي صرت أنجذب إلى المرويّات حول قياس وأصبحت أنحاز له ولعلّي أدافع عنه أحياناً كثيرة، لأن التجارب الثلاث علّمتني أنّ الاستعداد هو المفتاح السحري لاجتيازه،

       وهذا هو المبدأ الذي قامت عليه منصّة نون التعليمية: الاستعداد المبكّر والمنظّم لاختبار القدرات هو السبب بعد الله في اجتيازك للقدرات بما يرضيك ويسعد أهلك. المبدأ الثاني هو التهيئة النفسية، الدّعم المعنوي، المساندة الصادقة. كنتُ وأختي في نقاش حول ذلك.. كانت تقول أنه لا ينقص طلبتنا الذكاء، بل تنقصهم الثقة بالنفس والاستقرار النفسي.. تشكك فيما نقول؟ انظر إلى كم “الطقطقة” في أشهر الهاشتاقات، أو انظر إلى معدلات أبنائنا المبتعثين، لماذا يحصل على جيّد جداً في الثانوية وامتياز مرتفع في جامعة أبردين مثلاً؟ نعم يوجد أمثلة لشباب حصلوا على ممتاز في التحصيل العلمي هنا، وجيد في القدرات ولم تقبله أي جامعة أمريكية لأن الآيلتس أقل من المطلوب، فهمنا أن قياس كان يستقصده، فهل كانت المعاهد الأمريكية كذلك، أم أنه كان غبياً؟ أبداً.. كان مهملاً لجانب تنمية المهارات رغم توفّر الأثافي.

      في لقاءات تهيئة القدرات كنا نركّز على الاستعداد النفسي ونصر على ذكر أن التهيئة”نفسية”، ولم يغب عن بالي أبداً زميلة أختي الذكية ذات المعدل العلمي العالي التي حصلت على 40 تقريباً في القدرات بسبب الأزمة النفسية التي أصابتها بسبب هلع من حولها من قياس..

واقع

      أتتني طالبة أطول مني في نهاية أحد اللقاءات وتبدو عليها الرزانة.. سألتني بصوت مرتجف: أستاذة وش رايك أدخل دورة القدرات اللي في كذا وكذا؟ قلت استعدي بما تستطيعين، قالت: طيب المعلمات يقولون استعديتِ والا ما استعديتِ، دخلتِ دورات والا ما دخلتِ ما راح تنفعك بشي وما راح تعدّين قياس! تركت الذي كنت أدخله، وقلت بغضب: وليش ما تنفعك! هم اختبروا قياس؟! لا! أنا اختبرت قياس وأقول لك إلا بتنفعك، واللي قبلك تدربوا له وعدّوه، قياس يبغى منك استرجاع الأساسيات والتدريب وهدوء نفسية.. ما عليك منهم!.. أعلمني صوتها المرتجف بوجود عبرة مخنوقة..

      أما الأخرى، قالت: أنا ما عندي سؤال.. بس أنا خايفة من الاختبار! الاختبار ما يخوّف يا بنتي إذا استعديتِ. بس أخاف من الفشل، أخاف أكون فاشلة! وبين أصابعها قلم كاد أن ينكسر من شدّة توترها.. بصف كم؟ ثاني ثانوي. أول مرة تختبرين؟ إيه. طيب ليش تخافين تصيرين فاشلة من شي أول مرة تجربينه وعندك ثلاث فرص غيره غير المحوسب اللي بيصير طوال العام*؟! وإذا ما جبتِ درجة عالية من أول مرة، وش بيصير بالدنيا؟! تخافين الناس يقولون عليك فاشلة؟ إيه.. خليهم يقولون فاشلة! الله! هو اختبارهم والا اختبارك؟! اختباري.. ما راح يكونون أحرص على مستقبلك منك، اختبري مرة ومرتين وثلاث، المهم تستعدين وما عليك من الناس! أنا قالوا لي بتفشلين فيه، والحين شوي وأدرس الماجستير، خلي عنك الناس!

     التهيئة النفسية نصف الاستعداد للقدرات، ونصفه الثاني التدريب على أسلوب قياس في الأسئلة ومراجعة أساسيات مهاراته السبع، وهذا ما تنتهجه منصة نون التعليمية. أدعوكَ لتدعو من تحب وتهتم لأمره ومن تعرفه خاصة الوالدين لاستخدام الرمز الذي خصصته نون للحصول على العضوية الكاملة عبر حسابها في تويتر . الرمز مفتوح لذا أرجو ألا تألَ جُهداً في نشره : ) ..

موقع منصة نون non.sa

قصة منصة نون بصوت سيلفر http://youtu.be/TnUxNNcrzc8

منصة نون على تويتر https://twitter.com/NoonEdu

http://www.youtube.com/user/noonEdu/videos قناة نون الشرح المهارات الأساسية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*: لا أؤيد هذا التصرف على إطلاقه ومع أي أحد، وتبرير التقصير بوجود فرص أخرى، إلا أنه أسلوب لطمأنتها لأنها ممتازة علمياً ومثالية جداً.

ولله في خلقه شؤون


جلست في مقهى كلية بعيدة لأراجع مادة اختبار سيعقد بعد أقل من ساعة. جلست إلى الطاولة المجاورة مجموعة فتيات لم أستطع تحديد الموضوع الرئيسي الذي يتناقشن حوله لتتابع أحاديثهن الذي لم أحرص على متابعته، إلا أن إحداهن كانت تصم أذني كلما تحدثت فقد كان صوتها عالياً جداً يشي بروح منفعلة وغاضبة وناقمة.

رفعت رأسي لأتابع أحد المشاهد وأرى تلك الفتاة. عرفت أنها مكافحة، الشعر والبشرة وطريقة وضع الزينة تشي بالكثير، اشتد انفعالها حين أخبرتها زميلة أنها ومجموعتها اخترن موضوع بحثها الأصلي وبررته بأنه جاهز عند زوجها. البحث كان عن موضوع علمي دقيق، فتأملت تلك الزميلة التي لم تبدي أي رد فعل ولم أجد اتساق بينها وبين المجموعة وبين ما قد وصفته ثم حدّثت نفسي بأن لله في خلقه شؤون.

عدت لأوراقي، ثم صمّت أذني مرة أخرى حين أكدت لهن أنه لا يمكن شرح الواجب نظرياً، لأنهن لن يفهمن إلا أمام الحاسب، ومستحيل أن يفهمن بغير ذلك وأصلاً ولا واحدة منهن تعرف عنه. كانت تدافع عن نفسها ضمنياً وترسل رسالة أنها لن تبذل من وقتها ما دمن لم يراعين جهدها. تزامن ذلك مع حضور زميلاتهن الأخريات. عدت لأوراقي مرة أخرى، فانتبهت أنها غادرت الطاولة حين ابتعد صوتها معها، ولعل أذني هدأتا بعد ذلك.

بعد برهة قصيرة علا صوت إحداهن بكلمة “متخلفة”، كان هذا وصفها لزميلة قالت لها في مجموعة الواتس أب أنها متخلفة لأنها لا تشجع فريق وطني -إبّان مباراة الهلال وسيدني-، أتبعت تلك الكلمة بشتائم أخرى مخجلة، ثم بينت مرة أخرى أنها غير متخلفة ولا قليلة أدب مثل تلك. فرفعت رأسي لأتأملها، نحيلة ومهندمة وتتكلف اللهجة البيضاء، ولله في خلقه شؤون.

انضمت إليهن أخيراً زميلة بدا لي من صوتها أنها أعقلهن، حكت قصة أهلها مع خسارة المباراة، لملمت أشيائي لأصل قاعة الاختبار في الموعد فلمحتها، فرددت لآخر مرة: سبحانه له شؤون في خلقه..

كانت هذه المجموعة من طالبات برنامج تربوي، بت أتساءل عن نوعية التربية التي ستتلقاها صغيراتنا، التربية عملية تراكمية، كيف تُربّي وأنت لم تتربَّ؟

 

لأن مهجة أمك تعلو وجوه الأمهات


لأن مُهجة أمّك تعلو وجوه الأمّهات
كتبت هذا المنشور في فترة كنت لا أرى فيها أمي إلا قُبيل نومها بساعتين. كانت تخرج لوظيفتها صباحاً، وأخرج أنا لدراستي المسائية ما إن تعود، ثم تلقيت معاملة إدارية سيئة في مراجعة صباحية للجامعة. فكانت هذه التدوينة.
22 أبريل, 2014
دائماً ما أضيع بين مباني الأماكن الجديدة ولا يؤرقني شيء كما يورقني أن أتلقى “ما أدري” على “أين المكتب الفلاني؟”. تلقيت هذه الإجابة اليوم ثم سرت ومن خلفي خالة بعمر الفاضلة أمي، ملتُ إلى المصعد وكنتُ أريد السلّم فقالت لي:” أبي الدور الأول الله يعافيك”. فتحت لها المصعد وضغطت زر الدور الأول ثم خرجت.. مدت يدها وقالت:” لا ما أبي أرقى لحالي! أخاف!” صعدت معها، قالت معتذرة:”لو أدري إن طريقك غير ما تعبتك.” كانت تحمل كومة أوراق، وخطواتها ثقيلة وتبدو مُرهقة. طلبت منها أن تجلس وسأبحث لها عن مكتب صاحبة الأوراق، رفضت وأخذت تجادلني. أجلستها وقلت:”اسمعيني، لو تدري أمي إني خليتك لحالك بتزعل علي!”
سألتني أم صديقتي عن أمي مرّة، قلت لها بإذن الله ستنضم لكنّ العام القادم وقالت لي:” ما أبي غير فصل أم سهام!”.. ابتسمت أم سهام ابتسامة لا يشبه جمالها إلا ابتسامة أمي.
اعتذرت لي خالة أم يوسف مرّة عن مزحة كنتُ ضحيتها وقالت أني مثل ابنتها لذلك “تمون”، فقلت:” وش دعوى! أنتِ مثل أمي والأمهات ما ينزعلن منهن!”
ذهبتُ مع أختي لمقر أحد الاختبارات مرة، كان الوقت مبكراً جداً، والساحة خالية إلا مني وفتاة هنا وأخرى هناك ننتظر خروج قريباتنا بعد 3 ساعات. لمحتُ أم، وعند الكافيتيريا تذكرت أن أمي تحب الكابتشينو، لعل تلك الأم تحبه أيضاً. صار بيني وبينها كابتشينو وكوروسان جبنة وانهالت عليّ بحكايات لا يفترض أن تعلمها غير بناتها..
كل مرة أتأخر على زوجة السائق في خروجي للكلية، يتراءى لي طيف أمي بعباءتها ويتناهى إلي صوتها:”احتمت كبدي من الانتظار!”
سمعت مرة موظفة تقول لزميلتها “صرت أقول مثلك، يا حظي حظ أمي!” سألَتَها:” وكيف حظ أمك؟!” أجابت:” يعني، مو مرة.” لم أتمالك نفسي فرددت:”الأم اللي جابتك حظها زين!”.. ردت بخجل:”هههه .. إن شاء الله.”
كنّا مرة في نقاش عن الإشباع العاطفي بين الأبناء والأمهات، فعلّقت أم أن الأبناء “ما تجي منهم الكلمة الحلوة،” فقلت “أنتِ أم تعرفين كيف، سوي مثل أمي مثلاً: حطي لبنتك فنجال قهوة معك ولو إنك دارية إنها ما راح تشرب. قولي ما هنت لي القهوة وأنتِ مو معي، تدري إنك تلعبين عليها، بس اسم انه كلام حلو!”
أعتقد أن كل من ينعم عليها الله بنعمة الأمومة يُسبغ عليها كاريزما ليست إلا من حظ الأمهات.. لذا، لكل أم عندي قدرُ أمّي..
شكرًا للصديقة إسراء احتفاظها بجزء من ذاكرة روحي @_iEsraa 
%d مدونون معجبون بهذه: