Uncategorized

ماذا بعد الأربعين؟

يؤرقني سن الأربعين منذ علمت أنه سنّ الأشد، سن الحكمة وسن الحياة الحقيقية.
منذ تلك اللحظة خططت لأشياء كثيرة، وفعلت أشياء أكثر ولا زال ينتظرني الكثير الذي أرجو أن تسع سنون ما قبل الأربعين لبعضه وأعوض فيها عن إخفاقاتي.
الوظيفة عمل حقيقي مُنتج أيضاً، فهي التي ستُمكنك، أياً كانت وأخذت شكلها ولو كانت عملاً حراً، في الميدان الذي ستختاره لما بعد الأربعين.

حاولت ضبط تسارع التخطيط حتى سمعتُ الذي قال: إن خرجت من الشباب بلا مصيبة فاحمد الله. هنا معادلة: الاستعداد لما بعد الأربعين بالخروج مما قبلها بما يرضي الله، ولا تزيدني الأيام إلا مراجعةً لقوائم الأولويات لأستقبل الأربعين وقد أحسنت فيما قبلها، ليتسيّد السؤال اللحوح: وكيف الإحسان فيما قبلها؟

أتابع منذ فترة طويلة حساب “سكّان نيويورك ” على الإنستغرام. كان حساباً مُثرياً مُثيراً أستمتع بقراءة القصص التي يتلقاها من أفواه السكان مع صورهم حتى فترة قريبة، فصار مصدر بؤس.

المشردون، القرارات غير السليمة خلال فترة الشباب، تضييع مصدر الدخل المضمون لصالح السراب، التسرب الدراسي، الإدمان، التخلي عن العائلة انبهاراً بالأوهام المنسوجة حول المدينة والأصدقاء وفرص العمل الكبيرة. تشترك كل القصص التي هذه محاورها بأن أبطالها جاوزوا الأربعين أو قاربوها، وأن قوّة الشباب ونشاطه حصر تخطيطهم الحياة في حدود اليوم وغايتها تلبية الرغبة.

أحدهم قال إنه بدد 15 عاماً من عمره في محاولة أن يكون ممثلاً، وقد ترك الكلية لأجل ذلك.. لينتهي به الأمر -عند التقاط صورته- يبيع التذاكر ليؤمن قوت يومه. وهذه صارت شبه مشردة لأنها تركت شقتها ودخلها المضمون رغم نصيحة أصدقائها لتفتتح مقهىً حُكم عليه بالفشل منذ بدايته – أو أنها لم تحسن إدراته، وتلك هربت من منزل والدتها لتنخدع بمن أحكم قبضته عليها لتهرب مرة أخرى لكن بعد إنجابها خمسة أطفال لاقت وإياهم أنكالاً وجحيماً.

لربما ناسب أن أعلق على مثل هذه القصص أنها كواليس الحضارة الغربية البئيسة، وهي فعلاً كذلك.. لكن هذا التعليق لا يكفي، ذاك الموهوم قد يكون أنا، وتلك المشردة قد تكون أنت ولو كنا في مجتمع آمن متكاتف حالياً، إلا أن تتداركنا رحمة الله ونُرزق البصيرة والرشد.

يُغضبني أن أسمع من “ينصح” الشباب أن سيروا خلف أحلامكم مهما كان الثمن! يدفع بهم للمحيط دون أن يعلمهم السباحة وطوق النجاة الذي يمنحه هزيل! احلم عزيزي الشاب وغامر وافعل ما تريد واستقلي عزيزتي طالما أنه مباح، لكن لا تضيع في سبيل حلمك ضرورات حياتك: الدين، العائلة، الصحة والتعليم. هي التي ستبقى لك لو تقلبت بك الحياة، ولابد.

كل المميزين حققوا أحلامهم لأنهم حافظوا على هذه الضروريات، استقاموا عليها وإن قصروا فيها لم يُنزلوها من قائمة الأولويات، أبداً، حتى لما وصلوا الأربعين بدؤوا حياةً أخرى، هي الانعكاس الحقيقي لما بذلوه خلال العشرين عام الماضية.

هامش:

تعرفت قريباً في غرفة الانتظار على فتاة لطيفة، كانت تحكي لي رغبتها في تطوير لغتها الإنجليزية لأجل عملها، ثم أخذت تشرحه ومعها قريبتها التي تعيل خمسة أطفال تدعمها، كدت أطلب منهما السكوت.. فمنذ ساعتين تقريباً دخلت في نقاش مع امي حول أمر كانت تحاول إقناعي بأن أتراجع عن تراجعي عنه لتختمه بـ: العلم نور وما أسمح لك!

تلك الفتاة اللطيفة لم تكمل دراستها لذلك تقدمت لهذه الوظيفة ذات الدخل الشهري “العالي”.. المفارقة أن قريبتها كانت معها في المجال نفسه إلا أنها تركته لـ “تكمل” دراستها في الثانوية..

Advertisements

3 thoughts on “ماذا بعد الأربعين؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s