Uncategorized

اضطراب الهوية وانتكاسة الفطرة

يضج العالم منذ أيام بقرار المحكمة العليا في أمريكا بإقرار زواج المثليين، أقرته قبلها دول أوروبية منذ أكثر من عقدين. المختلف الآن هو أن قائدة الحضارة الغربية، التي تُفصَّل معايير التطور والإنسانية وفقاً لرؤيتها، هي التي باركته محفوفاً الاستقبال العالمي الذي أعدّ له الإعلام منذ سنين عبر تطبيع السلوك المثلي.

القضية ليست بهذه السطحية بطبيعة الحال، فهي مرتبطة بطريقة أو أخرى بالحركات الأخرى كالنسوية والإلحاد، أُسيء فهمها أو عُمل بها كما أُريد لها، كما تتعلق بالقانون، تشريعاً وتطبيقاً وإبطالاً، ولا يمكن بحث هذا السلوك والمنهج بمنأىً عن غيره، وما ستركز عليه هذه التدوينة ما اتصل بمنشأ الميل: الهوية.

منذ 15 سنة، أي في عام 2000 تقريباً، شاهدت مشهد من فيلم لموظفة تطلب من صديقتها تمثيل سلوك رمزي وتشرح لها أنها لا تستسيغه لكن تريد تنفير شخص يتقرب منها، نجحت الخطة وعبر عن صدمته بتوجهها. لم يظهر في ذلك المشهد أي شيء يدل على ما كان ذلك السلوك، لكن الموظفتين اتفقتا على كتمه عن بقية الموظفين.

ومنذ 4 أشهر قرأت كتاب How to Change the World حول الريادة الاجتماعية. كتاب جميل ورائع حول تجارب الريادة الاجتماعية المحلية المغمورة حول العالم. استوقفتني فيه قصة شاب أمريكي يُساعد المتقدمين للجامعات في كتابة خطابات القبول، من ضمن الأمثلة التي ذُكرت ما كتبته فتاة في خطابها:”أدركت أني مثلية عندما كنت في الثامنة حين عبرت صديقتي عن إعجابها بوسامة شاب ولم أرَ فيه ما رأته.” هذا المثال لم يُضف شيئاً للقصة والتجربة، كتبته الفتاة بعمر 18 تقريباً. صدر الكتاب في 2007، ومكث كاتبه فترة طويلة في إعداده.

7 سنوات تقريباً تفصل بين مشهد الفلم ذاك وهذا الكتاب، ولاحظ المفارقة: المثيلة استخدمت للتنفير ثم صارت من ثوابت الذات، الذي رأيته بتجربة الفتاة هو اضطراب هوية، فقد كانت في عمر لم تكتمل فيه تصوراتها عن الفروق بين الأولاد والبنات ومفهوم الذوق والتفضيل ومع ذلك قالت عن نفسها أنها مثلية. تشوهت فطرتها قبل أن تعرف ماهيّتها، وإذا تتبعت مفاهيم المثلية ورموزها وحركاتها ستجد أنها ارتبطت بالهيبيز: ثقافة الثورة وتيه الذات وضبابية المفاهيم.

قرأت قصص للمثليين، وأكثر ما كنت أتأمله هو ملامحهم. لاحظت أن الغالب الأعم من الثنائيات الأنثوية واجم وبدين وملابسه رجالية بينما الثنائيات الذكورية تظهر عليها السعادة والعناية بالمظهر. يذكرني ذلك بظاهرة البويات عندنا، أو المسترجلات إن شئت. حين تقترب من هالاتهن ستلاحظ أنها فقاعة اصطنعتها لنفسها رفضاً لهويتها الأنثوية وحماية لنفسها بترويعها* غيرها وتفرداً يمنحه إياها وسطها. وغالباً ما يتشكل هذا الميل على هيئة سلوك في سن المراهقة، المرحلة المضطربة.

الذي خرجت به، واتفق مع دراسات نفسية، أن أصل ذلك أحد اثنين: الحرمان أو الإسراف، أو الإفراط والتفريط إن شئت، في مرحلة مبكرة جداً: ما بين السنة الثانية إلى السابعة من عمر الفرد.

أبدأ بالحرمان، ومن أسبابه:

  • منع الطفل من التعرف على هويته النفسية والجسدية، وأبرز مظاهره غياب القدوة الذكر لدى الولد والقدوة الأنثى لدى البنت. هذا لا يعني وفاة الوالدين، بل أنهما لا يتصرفان كما ينبغي لهما: الأب كرجل والأم كامرأة.
  • فقدان قيمة الذات، فلا يقدّر الوالدان قيمة الطفل، لينشأ خاوياً من احترام نفسه والجرأة على ما يمنحه تقدير الآخرين وإن كان لا أخلاقي.
  • غياب الأمن النفسي، فلا يجد الطفل من يشعره بالحماية وإن رعاه فإنه سيتخلى عنه تحت الظروف الطارئة.

هذه النقطة والتي سبقتها هي المدخلان الرئيسيان للتحرش بالأطفال: يعلم المتحرش أن الطفل يحتاج للقبول وأنه غير مؤمّن فيجترئ عليه، وهو وفي أغلب الحالات المسبب الرئيسي لكل الاضطرابات النفسية المتعلقة بالمثلية.

أكثر من يعاني من الحرمان البنات، فهي لا تجد قبولاً لها كأنثى، نعم هذا موجود حتى لدى الغرب، ولا تجد من يحميها، فتختار المظهر القوي المتمثل بالاسترجال وتميل لبنات جنسها لأنهن لن يؤذينها فهن مثلها: يبحثن عن الأمن وعن العاطفة.

أما الإسراف فيمكن اختصاره في تمتّع الطفل بكل شيء وحرية مطلقة غير محدودة حتى لا يبات يقنعه الطبيعي فيلجأ لما يصادم الطبيعة والمجتمع ليلبي ما لا حدّ له. وأكثر من يقع تحت تأثيره الأولاد.

ومناط ذلك كله الهوية: فمهما عانى الطفل أو المراهق من الحرمان أو أُسرِف فيه، فإن إدراكه لهويته وسبب وجوده في الحياة ستخففان عليه آثار كل الاضطرابات النفسية وسيتمكن من مجاوزتها بعد مرحلة المراهقة ليعيش حياة سوية وبنّاءة. حتى إن استمر في ذلك خلال شبابه وكهولته، ما إن يعالج مفهوم الهوية لديه سيستقيم حاله.
وللأستاذ عبدالله الوهيبي سلسلة حول الهوية، أجدها ثمينة #وعي_الارتباك

ربما اعتدلت في تربية ابنك وكذلك فعلتِ مع أختك، يبقى عليك تشنيع مفهوم المثلية بطريقة تربوية، فهم سيرون صوراً ويقرؤون قصصاً ويسمعون مواقف، مهما بلغت رقابتك لن تكون أقوى من رقابتهم لله. لن يفعلوا شيئاً مما يُعرض عليهم، إلا أنه سيكون في حكم “العادي”، العادي الذي سيسمح باللاعادي يجري أمامه ثم يؤيده ثم يُشرّعه ثم يُجرّم من يعترضه.

ورأيت بعض المراهقين والمراهقات قد رحبوا بالقرار عند إعلانه لأنهم لم يدركوا شناعته وأبعاده، طيب هؤلاء لسن بناتي ما شأني بهن؟ هن شأني وشأنك لأنهم الجيل القادم الذي سيربي الجيل الذي يليه، فما هي القيم التي تريد أن ينشأ عليها أحفادك تحت أيديهم؟ ألسنا أمة البنيان المتراصّ؟

ـــ

* الترويع المقصود هنا السلوك الذكوري المُريب الذي يتبعنه في النظر مع غيرهن والتعامل معه.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s