صومعة مترجم

عامٌ على الشتات | توثيق ما بعد التخرج

ادخلي الفصل أنتِ وياها يا حـــ…. ! آراك بالله التفتي عليهم وأعطيهم ذيك الصرخة عشان يدخلون! التفت لا إرادياً من هول ما سمعت.. اتجهت نحو الباب  لتراني الطالبات وظهري إلى المراقبة، قمت بتلك الحركة التي تشمل عض الشفة وسحب الخد في إشارة تحذيرية للطالبات تعني ” يا ويلكم! ” ، لم أنبس ببنت شفه، إلا أنّ الطالبات أخذن يسحبن بعضهن البعض إلى داخل الفصل بطريقة كادت تلقيني من الضّحك لولا أنّي تماسكت، أغلقن الباب، ولم أسمع لهن همساً. باركت لي المراقبة ذلك وهي لم تعلم ما الذي فعلته أصلاً.

وقد كان هذا المشهد أحد مشاهد اليوم الختامي للتدريب الميداني الذي درسته ضمن دبلوم التربية العام. اسألني عن دبلوم التربية العام أخبرك عن الاستبسال!

في مثل هذا الوقت من العام الماضي، وبعد آخر اختبار في مرحلة البكالوريوس وقبل استلام الوثيقة هنأني أحد إخوتي بانضمامي لقافلة البطالة السعودية باقتدار ولله الحمد والمنّة. هذا الأخ هو  الأخ النجيب ذاته الذي حدّثني عن فترة الشتات، الفترة التي لابد أن يمرّ بها العظماء بعد تخرّجهم ليُروّض حماسهم، وتتضّح أهدافهم، وتتعرّف إليهم قدراتهم، ويتعرّفون إلى مواضعهم الحقيقيّة من الحياة.  وتطول وتقصر هذه الفترة بحسب تمرحل هذا العظيم المُقبل ونضجه خلالها.

لا أُنكر إغراء فُرص العمل التي عُرضت، مثّل بعضها ما يسمّى بفرصة العمر، إلا أنّي أؤمن أن لفرصة العمر أخوات كُثر. كنت أسترجع حديث أخي النجيب ذاك حول تفاني الخرّيج الجديد بالعمل بادي الأمر ثم فتوره ومن ثم تملّصه بعد فترة مليئة بالاستغلال، فقيرة بالمحفّزات، لذلك فضّلت الابتداء برحلة الشتات، الرحلة التي جلّت غبش البصيرة.

قائمة من ستة اختبارات خارجيّة، قد احتفلت بي خلال شهر شعبان.  خيارات الحياة متنوّعة، وأعتقد أن أجداها أبعدها مدىً، لذلك تقدّمت الاختبارات على غيرها رغم مقتي إيّاها. للأسف، وقعت في فخّ الحماس، لم تكن التبعات بذلك السّوء،لأني لم أرتبط بعمل دائم، إنما بمشاريع تعاون مؤقّتة يغلب عليها الطابع التطوّعي. تعلّمت من ذلك أنّ العمل بروح الفريق الواحد تجربة خلّابة، إلا أنّه لا ينبغي أن نُجازف ونكررها أكثر من مرتين خلال الفترة الواحدة، فلن يكون الالتزام بالحد المُرضي، ولا النتاج بالجودة العالية، ولست بحاجة لتثبت لأي أحد أنّك متمكّن من تخصصك إن لم تكن بحاجة لذلك، تعلّمت أيضاً أنّ الثقة هي مناط كل أمر جادّ، لا تفرّط بها، وأنّ الأولويات الشخصيّة إن لم يتفهمها أعضاء الفريق ستكون لها الغلبة في التنفيذ وإهمال غيرها عنوة، فلولا الله ثم تفهّم أعضاء فريق المفكّرون الصغار لا أظن أنّي كنت سأدخل تلك الاختبارات بسلام، وأحقق فيها ما قد حققت. تعلّمت خلال شهرين أنّ كثرة المشاريع لا تعني أن قدراتك فذّة، إنّما هي بارود، لاقت جذوة حماسك فاشتعلت، لذلك ستخبو وأنت بعد حين.

بالرّغم من أنّ دراسة دبلوم لم تكن ضمن خياراتي الجادّة  بعد التخرّج، ناهيك عن دبلوم في التربية، إلا أنّه سِيق لي سوقاً من غيرما أحتسب، وساق معه أشياء أخرى. قرأت مرّة أنّه إذا مرّت بك تجربة، فعِشها بكل ما فيها، بحلوّها ومرّها وصفوها وكدرها فهي لن تعود، وأنت لا تريد أن تتحسّر، وبها عاهدت نفسي عندما دلفت بوابة كلّية المعرفة، حيث تُقيم جامعة المجمعة برنامج الدبلوم التربوي في الرياض. لم أحبب هذا البرنامج قط، وما زالت حكمة تيسيره لي غائبة، وكنت أذكّر نفسي بأنّ كره الشيء لا يعني الانسحاب أو التقصير أو تنفير النّاس منه، وهل تسير الحياة على ما نُحب إلا بعدما تُسيّرنا هي على ما نكره؟

لم أنقطع عن الترجمة، فقد تولّيت قيادة أحد فرق الترجمة، بعد ذلك آثرت التفرّغ للدراسة فقط. لم يكن العبء الدراسي متبعاً وضخماً، إنما بالنسبة لي استرجاع معلومات وإعطاء مصطلحات لمفاهيم متداولة ومستجدات العلوم التربويّة، المرهق فيها فترة الداوم المسائية، أخرج من البيت الساعة 3.30 وأعود الساعة 9، حيث تُطفأ أنوار البيت بطريقة كانت تُشعرني أنّي شاب سهران حتى الساعة 12 وعبّر أهله عن استيائهم منه بهذه الطريقة، حتّى أنّي أتخيّل أنّ الباب الداخلي قد أُوصِد بالمزلاج (: . حكيم فعلاً من قال أنّه من طاب نومه صحّ يومه، فلم يطب لي يوم حيث السهر والنوم غير المنتظمين، ناهيك عن مقاومة عدم الرّضا عن هذه المرحلة الدراسيّة.

يُنقل عن هنري كسينجر قوله ( لا شيء يركز التفكير مثل غياب البدائل )، فالفراغ الدراسي النسبي، والتفرّغ الكلّي من العالمين ركّز تفكيري وأجاب عن أسئلة جوهريّة كانت إجاباتها ضبابيّة، بالإضافة إلى أنّهما جعلاني أعيش وبعمق تجربة العلاقات الاجتماعية اليومية والمتواصلة.. هذه العلاقات التي لم أعتد عليها ولا أفضّلها، فضلاً عن كون شخصياتها من بيئة مختلفة تماماً تماماً تماماً عن البيئة التي نشأت فيها، كانت تبصّرني بأبعاد بعض القرارات فيما لو اتّخذتها، والخيارات فيما لو أُتيحت لي، وتمثّل أمامي هيئة الأم التي قد أكونها بناءً على ما قد سلكته في باكورة شبابي. كانت تختبر المبادئ التي أنادي بها، والقيم التي أُشيد بها، ليعود أخي النجيب الآنف الذكّر ليذكّرني بأنّ التسامي لا يليق بأيّ أحد، ومن تحدّث عن التسامي في سياق الحق والواجب؟ هذا هو عين التسامي، لا يكون إلا في سياق الحق والواجب. وأخيراً، جعلتني أقيّم المعرفة التي كانت، وماهيّة التي ستكون.

تسعة أشهر تقريباً، كانت تجربة تراكميّة من العيار الأخلاقي والنفسي الثقيل التي تستحق الخوض، دخلت خلالها 16 اختباراً خارجّي حتّى أُصبت بالتبّلد الذي تسميه أمّي المناعة النفسيّة، أذكر رغبتي بالبكاء عندما لم أستطع النّوم.. فلم أنم تلك الليلة جيّداً، وخرجت فجرها لإجراء امتحان في إحدى الجامعات، واضطررت للانتظار فيها حتّى العصر، ومنها ذهبت إلى كلية المعرفة لأقدم الاختبار النهائي لإحدى المواد. بالرغم من أنّي فضّلت الانسحاب من أي واجهة، إلا أنّي وجدت شيئاً يعتلج في صدري دفعني لأتولى زمام أمور الشعبة الدراسية، لم تكن المسألة دراسية بحتة، إنما اختلطت مع العلاقات الاجتماعية السابق ذكرها، ويلحق ذلك ما يلحقه، فجرّبت  ميزان الأمور وكفّتيه وما يرجحهما، وعرفت ما الغريزي من الصّفات وما المكتسب، وما الذي يحتاج تهذيباً وما الذي يستحق ردماً.

تحققت خلال العام المنصرم أربع أمنيات  قديمة كانت شبه مستحيلة دفعة واحدة، أحدها الدوام المسائي، ثانيها التطبيق الميداني.. ذكّرني ذلك بقول هديل الحضيف رحمها الله  ( يؤجّل الله أمنياتنا ولا ينساها )، لا أظن أني قرأت أكثر من ثلاثة كتب خارجيّة، ولم أقرأ إلا نزراً يسيراً في تخصصي الرئيسي، كلّما شعرت بالضيق من ذلك، تذكرت المكتسبات، وأعظمها أنّ العلم مقدّم على العمل، لا يعني ذلك أن تستكبر على العمل ولا أن يكون هو غايتك من العلم فقط. معظم الزميلات من المتزوجات والأمّهات، إحداهن قضت خمسة عشرة عاماً في الوظيفة، وها هي عادت لمقاعد الدراسة لتكمل دراساتها العليا، والأخرى كانت تُبسمل على نفسها من الدخول في المجال التربوي، لتعود مرغمة، وثالثة كانت تلوم قياس على الأسئلة التعجيزية وجهات العمل على الشروط التطفيشيّة.

نصيحتي للخرّيج الجديد أن يختلي بنفسه، أن يعرف من هو وماذا يريد، الزّواج  ليس المحطّة التالية الحتميّة للتخرّج، فإن لم يتسنَّ لك العلم المُعترف به، فلا تؤجّله كثيراً ، خاصّة إن كنتِ فتاة، فالعمل حقاً فتنة – ليس بالمعنى الشرعي أقصد، إنما أنّك ما إن تبتدر العمل، فإنّك لن تنفك، المسؤوليات المتعاقبة، الجو الاجتماعي، والراتب الذي يمسح عناء الشهر يُبطّؤك عن التصلّب على المقاعد الخشبيّة -، إن استطعت المزاوجة بين العلم والعمل فحيّهلا، واسعَ لذلك ما استطعت، ونظّم نفسك على إثر ذلك. روّض حماسك وأحلامك وحدد رغباتك، اكتب رسالتك في الحياة، افعل ما تفعل لأنك تريد أن تفعله، لا لأن تصدّ تثبيطات الآخرين. عندما ترفضك جهة علم أو عمل، اسأل نفسك لماذا؟ أجِب عن هذا السؤال بشفافية ومصداقية، معدل؟ اختبارات تكميلية؟ هيّئة؟ نفسية؟ أسلوب تعامل؟ ابحث، وتوكل على الله. رزقك سواء المادي أو المعنوي مكتوب، وقد يتأخر، لا تقنط واصدق مع الله، يصدقك الله. تذكّر أنه ليس عليك أن تخوض تجارب غيرك لتتأكد من النتيجة بنفسك، راقبهم، ولا تُهدر عمرك في التجارب المستهلكة.

ما بعد التخرّج ليس عالماً فردوسياً، ولا قاعاً موحِلاً.. هو العتبة التي أظنّ أنّها الموطأة لمستقبل علمك وعملك، تأكّد فقط من تثبيت هذه العتبة جيّداً.

Advertisements

2 thoughts on “عامٌ على الشتات | توثيق ما بعد التخرج

  1. هذه العطلة قرأت الكثير من تدوينات التخرج ومابعده !
    وحقيقة أني أقترب أكثر وأكثر لهذا المصير أيضاً يجعلني أتسائل عن شكل حياتي بعد نصف سنة أيضاً !
    أسأتوسد الوسادة وأتمرغ الفراغ كما غيري، أم ستلحقني عروض وظيفية كما وُعدت !؟
    الأمر ممتع، التفكير بالغموض القادم، ورؤية كيف تعامل الآخرون معه وحولوه لتجربة جديدة ومثرية ..

    تدوينتك كذلك جعلتني أُفكد جدياً بأن أقبل كُل ماقد يأتيني حالما “أُعتق” من مقاعد الدراسة قريباً!
    مُمتع .. بطريقة ما حماسي للتخرج عاد بقوة!

    1. ممتع وغامض،
      لا أخفيك أنّ موضوع التخرّج / الانعتاق من ربقة البكالوريوس بقدر ما كان مثيراً للدافعية، كان مثيراً للتوجّس والتخوّف. المهم أن تتأكدي من مواضع قدميك، وألا تندفعي لاثنين: الزواج أو العمل بسبب ضغط خارجي من الأقارب، بل عن قناعة، والغاية واضحة في ذهنك.
      بما أنّه لم يتبقَ لكِ سوى نصف السّنة، فـ يا حبّذا لو بحثتِ عن الاختبارات المتعلّقة بتخصصك والدورات المهمة فيه، استغليها حتى لا تحتفل بكِ بعد التخرّج كما احتفلت بي ( :
      وأجزم أن تجربتك ستكون مميّزة لأنكِ ستبتدئين مشوارك في الحياة لوحدك، خرّيجو الفصل الأول غلابة (؛
      كل التوّفيق كاندي، وأتطّلع لخبر تخرّجك على خير ()

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s