2] إنكار البوسنة | The Denial of Bosnia

كل التّاريخ مُترابط، لا يوجد حلقة مفقودة وإن بدا لنا ذلك، وهذا التاريخ يُعيد نفسه، فاستقراء التّاريخ يجعلنا نفهم الأحداث الحاضرة، والاعتبار منه هي حكمة الله في ذلك وهذا ما كرّس له محمودتشيهافتش كتابه له. ورد في التدوينة السّابقة مفهوم نحن والآخر وهو أحد أولى الخطوات التي تحاول من بعدها دُول البلقان ومنها البوسنة الوصول إلى ما يُسمّى بذروة التاريخ The Climax of History  ، وهي المرحلة التي تسببت في معاناة البوشناق المسلمين.

وما زلت أنقل ما أقرأ وأفهم وأرى من كتاب

إنكار البوسنة | The Denial of Bosnia

كما ورد سابقاً فإن نحن والآخر ليس مجرّد مفهوم، بل هو آيديولوجيا منظّمة تمتطي الدّين لتتحقق، فهو يسمح لـ ” نحن ” أنّ نعمل لتحقيق أنفسنا، وتحقيق الحريّة، وهو رد فعل مضاد للآخر، لا من حاجة فعلية، ومن هذا المنطلق فإن الآخر وهم المسلمين في هذه الحالة هم المذنبون، من بين المجرمين كلّهم هم الحزب المذنب، فقد تسببوا في منع الصرب والكروات من إقامة دولتين بعرقين صافيين تقومان على الأسس الديموقراطية الليبرالية مما أبعدهم عن عضوية الاتحاد الأوروبيّ.

ثم يتناول الكاتب مفهوم ” ذروة التاريخ ” أي النقطة التي تصل بها المجتمعات أو الدول إلى حل صراعاتها الداخليّة، وتنتقل من خطواتها البدائية لتكون دولاً متقدمة، وتُعد نهاية التاريخ لأن لا تقدم يمكن أن يتجاوزه. يعرّف هيقل هذه الذروة بأنها الدولة الليبرالية، بينما يعرفها ماركس بأنّها الدولة الشيوعية، ومن هاتين الآيديولوجيتين خرجت لنا آيدولوجيتان الديموقراطية الليبرالية والاشتراكيّة وهما ما تطبعت بهما دول القرن العشرين. والذي جعل الدول تتهافت على تبني النظام الديموقراطي الليبرالي  الذي أتى بهى الغربيون هو انهيار الشيوعية والأنظمة آنذاك كالنازيّة التي أظهرت ضعفاً اقتصادياً وإهمالاً للحاجات الفطريّة رغم ازدهار الصناعة والعلوم ثم ازدهار الدول التي غيرت أنظمتها بعد انهيار الشيوعية إلى النظام الديموقراطي الليبرالي فازدهرت.

ثم أخذ يقارن في اهتمام الأنظمة الثلاث الشائعة قبل الحرب العالمية الأولى وهي الديموقراطية، والشيوعية، والاشتراكية في عناصر الروح الإنسانية الثلاث وفقا لأفلاطون وهي ( الرغبة، العقل، الرّوح )، وأهمها الروح، وهو ما نجحت الأنظمة الديموقراطية في تلبية حاجاتها.

في انتقال دول البلقان لتكون دولاً ديموليبراليّة، مما يحقق لها الاعتراف بالفرد ووجوده، فإن بعض الإشكالات تظهر وهي إشكالات طبيعية تأتي نتيجة للانتقال من المجتمع الشيوعي الذي يلغي هوية الفرد وحقوقه وحرّيته إلى المجتمع الليبرالي الذي يعترف بذلك كلّه ولا يذيبه في الجماعة، ومن هذه الإشكالات الرغبة في هيمنة آيديولوجيات عرقية، والتوصل لذلك بقمع الآخر. ونتيجةً لذلك حصل الإنكار المتناقض لليبراليّة، إن كان يُفهم منها أنّها تضمن الإعتراف المتبادل للجميع مما يجعل هناك احتمالية لظهور طغيان أعظم من الشيوعية، وهو الدين والعرق في هذه الحالة حيث ترى هذه المجتمعات أنّه من الليبراليّة أن تعترف بحق الفرد، وترى أنها لن تتوصل لذلك إلا إذا استبعدت المُختلف عنها. يظهر هذا التناقض في الليبرالية، ويظهر معهفي الوقت ذاته احتمالية تأسيس مجتمع مبني على الأسس الديموليبرالية للتسامح والحوار.

في سبيل تحقيق الاعتراف بالفرد وظهور الإشكالات الواردة أعلاه يظهر تعظيم لعرق ما، وإنكار المساواة مع العرقيات والثقافات والديانات الأخرى وذلك بسبب قراءات تاريخية توكّد على أهميّة الأمّة الواحدة، التي لن تكون بطبيعة الحال إلا ذات دين واحد وعرق واحد متجاهلة الآخرين، كما تعرّفها هذه القراءات التي شكّلت جوهر معاداة البوسنويّة. اقتربت منطقة البلقان من ذروة التاريخ، ودفع ضرائب هذا الاقتراب البوشناق، وما زال يدفعها لأن ذروة التاريخ لم تصل بعد لأنّها ما زالت في المرحلة الانتقالية ولم تتخلّص من آثار رد الفعل المضاد للشيوعيّة.

تذكّر أن الشيوعية تجعل الجميع متساوون، لا طبقيّة، لا اختلاف وتذيب الفرد في المجتمع، وتكبت الحاجة الفطرية للتميّز والتفرّد، وفي حالة خروج الفرد عن هذا الإطار فإنّه يُفرط في تحقيق وجوده من ذلك إلغاء الآخر الذي كان ذائباً معه في ذات المجتمع إلا أنّه انتبه أنّه مختلف عنه، ولا يستحق لأجل ذلك الحياة. وحتّى يعود لاتّزانه فإنّه يرتكب جرائم فظيعة، والبوسنة شاهد ذلك.

Advertisements
  1. No trackbacks yet.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: