صومعة مترجم

إنكار البوسنة | The Denial of Bosnia

يذكر منهم في عمري أو أكبر حرب البوسنة والصرب، وحملات التبرّع التي كانت تُقام، والمنابر التي كانت تدعو لهم، كانوا يقتّلون لأنّهم مُسلمين، وبعد قراءتي في عدة كتب عن تاريخهم، صُدمت أنّ الحرب لم تكن بين مسلمين ونصارى لاختلاف الدّين، بل تعصّب عرقيّ دعمه الغرب بدوله الشيعويّة والولايات المتّحدة. ومما اُقترف بحقّهم أنّ وثائق جُغرافيّة تاريخيّة قدّمت للأمم المتّحدة لتنظر في هذه القضيّة قد زوّرت وأزيلت منها مناطق المسلمين ودولة البوسنة لإثبات أنّ لا حق لهم في الأراضي التي يزعمون أنّها منذ الأزل وهي لهم. البوشناق الآن منتشرون في الدّول العربيّة مثل ليبيا وتونس ( سمعتم بعائلة بوشناق الجزائريّة؟ .. أصولهم بوسنويّة نزحوا من بوسنة ) ومنهم من فضّل تركيا. كان أجدادهم إذا أتوا للبلدان العربيّة بغرض تجارة أو أداء مَنسَك، سجدوا عند أول بُقعة عربيّة تقديراً وتقديساً منهم لها لأن الرّسول عليه الصلاة والسّلام عربيّ.

إنكار البوسنة | The Denial of Bosnia

البوسنة أو البوشناق هم شعب يسكن منطقة البلقان ( فيما بعد تركيّا )، كانت لهم هويّة مميّزة يتسمّون بها، وبدخولهم الإسلام بعد فتح الدول العثمانيّة أراضيهم اختاروا ( مُسلم / مسلمون ) هويّة لهم، بعد قرون، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وبدء الحرب الباردة وانتشار المذهب الشيوعي الذي كان يدعو لمقاومة القيم التقليدية (بما فيها من أخلاق وفضائل) وتمجيد العرق وتحريض المجموعات العرقيّة على بعضها، تعرّض المسلمون للقتل والمحاربة والنّفي من أراضيهم. كانت الدعوى الظاهرة أنّهم “دينيون” دخلوا على أهل “دين” فأخذوا أراضيهم. أما حقيقتها فإنهم مُحاربون لأنّ عرقهم مختلف، العرق الذي سلب أراضيهم – تذكّر أن البوشناق اتّخذوا الإسلام انتماء وهويّة -. كُتب كثيرة نشرها البوشناق عن قضيّتهم، ونشرها جنرالات عاصروها، أو نُشطاء مُنصفون، وما سنركّز عليه هو كتاب إنكار البوسنة | The Denial of Bosnia  موضوع تدوينة اليوم وما بعدها بإذن الله لتناوله عدّة محاور لا توثّق فقط القضية البوسنويّة، بل وتقدّم القوالب الموجّهة للمجموع مثل مفهوم نحن والآخر.

كتاب كتبه الكاتب البوسنوي (روسمير محموتيهافيتش) وترجمه للإنجليزية (فرانسز جونز ومارينا بودر) بعد أن منعته السلطات الأمريكية من دخول اراضيها لإلقاء مُحاضرة عن البوسنة وإنكار الغرب لوجود شعبه، فأصدر هذا الكتاب الموسّع عن تلك المُحاضرة، ولعلّه نشر حقائق وآراء أكثر مما كان ينوي في المحاضرة. أذكر مقولة لأحدهم ( إذا أردت انتشار كتاب ما، فامنعه )، وقد وُثّق الكتاب في مكتبة الكونغرس.

 

وفقاً لـ هينري كيسنجري، أحد الضبّاط الأمريكيين، وفي سياق إنكار وجود البوسنة قال أنّه لا وجود للبوسنة في المنطقة البوسنوية الحاليّة، وأنّ الإيراد الوحيد لكلمة البوسنة أو شعب البوسنة هو أنّهم أعداد غفيرة دخلت الإسلام أيّام الحكم التركي [العثماني].

وفقاً لهذه الرؤية التاريخيّة، نحن أمام لغز منطقي بثلاثة أبعاد. البعد الأوّل أن الدولة الكرواتية الحاليّة ذات السياسة العرقيّة الوطنية الواحدة ما زالت صلاتها متينة بالمملكة الكرواتيّة التي يعود تاريخ وجودها للقرون الوسطى. أمّا البعد الثاني فهو أنّ الدولة الصربيّة الحاليّة ذات السياسة العرقية الوطنية الواحدة ما زالت وطيدة الصّلة بالدولة الأورثوذوكسيّة [الإمبراطوريّة الصربيّة] أيّام القرون الوسطى. أما البعد الثالث فيُرجع البوشناق ذوي السياسة العرقيّة الوطنية الواحدة بتلك المجموعة التي تخلّت جذورها باختيارها غير الموفّق للدين [أي دخول مجموعات من الصرب والكروات في الدين الإسلامي].

مع بداية الحرب الباردة، انتشرت حمّى تقسيم أوروبّا وفقاً للعرقيّات، مما تسبب في تقسيم منطقة البلقان وظهور الدولة الصربيّة والدولة الكرواتيّة والقضاء على المسلمين وانحسار وجودهم فيها. وتعود جذور محاربة المسلمين إلى مفهوم تاريخي حيث اُعتبرت الدولة العثمانية حاملة لواء الإسلام بدخلوها في الأراضي النصرانيّة آنذاك العدو الأوّل لأهالي المنطقة لمّا دخلت أعداد منهم الإسلام إمّا طوعاً وإمّا بعد الحرب. فما زال الاعتقاد أنّ هذه الأراضي نصرانيّة ولابد من استعادتها من المسلمين.

مفهوم نحن وهم
أصبح مفهوم نحن معرّفاً وهو مبني على النصرانية وجميع الفضائل البشريّة. أما مفهوم الآخر فيعني كل ما سوى النصارى، أي قوى الشرّ وأعداء الفضيلة.
مقدار محبّة الشخص لـ ( نحن ) تتناسب طردياً مع مقدار كرهه لـ ( الآخر ). وكل منتمي لـ ( نحن ) كان يمارس فوقيّة تصاحبها نداءات لإحلال الهيمنة العرقيّة والوطنية ضدّ كل من هو مُخالف لـ ( نحن ).
وفقاً لهذا المفهوم فإنّ ( نحن ) هم النصارى المخلصين، المستعبَدين، ومسلوبي الحقوق، و (الآخر) هم المستعبِدين، وهاضمي الحقوق، كالمسلمين الأشرار. إن حرب ( نحن ) هي حرب للاعتراف بالوجود وهدفها المطلق هو الهيمنة على (الآخر).

لمّا أصبح (الآخر) هو المسلم،  و(نحن) هو النصراني، أصبح هناك أدلجة، وأحاجي تحيكها أيادي خارجيّة. استخدم الدّين أداةً لتحقيق الإيديولوجيا العرقيّة لا مستند يُعاد إليه لتحقيق مبادئ التسامح أو الخيريّة. كل شخص هو مؤدلج بطريقة أو أخرى، فحتّى من يحارب الأدلجة فهو مؤدلج بإيديولوجيا اللاأدلجة .. الإيديولوجيا بمعناها المجرّد مجموع الأفكار والتجارب، تطوّرت لتكون سياسات معتمدة في الاقتصاد والسياسة وأوجه الحياة. تُعد الكلمة سلبيّة لُغويًّا لأنّها تحمل معنى أنّ صاحب الإيديولوجيا مسيّر غير مُخيّر، وتتضمن الدعوة إلى الهيمنة على الآخر، وتعتمد على أصول الأشياء والأعراق مثل إيديولوجيا العرق الآري.
هذه الإيديولوجيا تم خلطها بالدّين لتشريعها .. وبذلك تم تدمير وحدة البوسنة والهرسك، التدمير الذي تسببت به طبيعة الطائفيّة في زمننا الحاضر وهو ما سنتناوله في التدوينة القادمة بإذن الله.

Advertisements

One thought on “إنكار البوسنة | The Denial of Bosnia

  1. ممتاز .
    أحييك على قراءتك واطلاعك ومشاركتك لنا بما اطلعتِ .
    وأتطلع لرؤية الكتاب مترجما إلى العربية .
    وبانتظار التدوينات القادمة ، فنحن بحاجة لمثل ذلك كثيرا .

    كل التوفيق لك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s