#30يوم_تدوين


ماذا حلّ بتحدي الكتابة لمدة 30 يوم؟ الذي أطلقه ا. عبد الرحمن الخميس هنا

لم أشارك إلا بـ 12 تدوينة متفرقة، يعني فوّت كتابة 18 تدوينة. في محاولة للالتزم بالتدوين، كتبت عشرون دقيقة يومياً ، وفي محاولة للتفكير بصوت مسموع سألت: ماذا ستفعل قبل هذا اليوم؟ ، ورغبةً في مشاركتكم تجربتي الحالية دوّنت عن قواي الخارقة ، أما اختيار من مقابل متعدد فكان لفكرة عابرة في حياة مترجم ، أما الثقب الأسود و تليفون خربان
و كاتش 22 ، كشفت فيها عن دور المصطلحات في المواقف المهنية والحياتية، و سكّرة كانت سدّ نقص، أما ” هتتعوّض” فكانت من أدب الرسائل الذي أحبّ.

كنتُ قد اقترحتُ أن يُعد المدوّن قائمة من المواضيع ليعود إليها إذا ما نضبت الأفكار بالرغم من أنّ أيامنا مليئة بالأفكار والأحداث والأشخاص. كل ليلة أجلس على الجهاز وأتخيّر الموضوع الذي سأكتب خاصة بعد تحديد 20 دقيقة مدّةُ للكتابة، أجد أن خياراتي في الأفكار ثقيلة ومن الإخلال بها أنّ تُعرض في تدوينة قصيرة، أو خاصّة لا تهمّ أحد أو مكرورة لا ينبغي أن أُشغل الآخرين بها خاصّة وأنّ أسلوب التدوين في عام 2019/1440 ينبغي أن يكون مختلفاً عن الذي كان في عام 2008/1430 لما بدأت التدوين هنا.

خلُصت إلى أنّ لديّ فعلاً ما أكتبه وعندي استعداد للكتابة اليومية إلا أنّي أتوقف عند نقطة “العرض.”

كانت المبادرة لطيفة، أعادتني لأجواء التدوين وأنا أرى المدونين يسابقون الأيام ويكتبون في مختلف المواضيع ويُحيون مجتمع التدوين، كما ساعدت في ترتيب أوراق الكتابة وخططها.

شكراً لمُطلق المبادرة وشكراُ لكل من شارك ودعم ونشر.


“هتتعوّض”


أكتب هذه التدوينة جواباً على رسالة طالبة رقيقة كنتُ أدرّسها، مودّة.

الغالية مودّة،

لا أذكر في التّاريخ أنّ أحداً بدأ دراسته الجامعية وكان المستوى الأول فيه سعيداً، كل دارِسٍ تلقّى ما يناسبه من التعاسة، حتى أنّ طالب السنة الجامعية الأولى يدّعى “freshman” في بعض الدول الغربية، وفي دولة عربية “سنفور” وكلاهما يعنيان الطالب الذي يبدو ساذجاً أمام الحياة الجامعية.

لعل الأمر يختلف قليلاً عندكنّ لأنكن بدأتن البرنامج التحضيري ثم درستن المستوى الأوّل في التخصصات، تعلمين وأعلم الفرق بين المتطلبات في الجهتين، لكن صدمات المستوى الأول هي نفسها عالمياً : ) .

هل ينتهي العالم إذا نجحنا على “الحفّة” أو حملنا مادة أو اثنتنين المستوى الأول؟ أعلم ثقل هذا، لكن يرتفع عنّا العتب إذا كنا نعلم من أنفسنا أننا بذلنا الدمع والدم والعرق في سبيل أن ننجو، لم ننجُ لكن وقعنا واقفين وبشرف : )

في المستوى الأوّل لم أتمالك نفسي بكيت بكاء مرير عند أستاذة عزيزة عليّ لأنّي خسرت الـ A كلّها في الاختبار الشهري لأحد المواد، ولأسباب أخرى، قالت لي: ” اصبري على نفسك، هتتعوّض.” صدقت أستاذتي، كان التعويض لكن ليس فقط في الدرجات، بل بالمهارات والمعارف حيث ضاعفت جهدي وكنت أدرس لـ 45 ساعة أسبوعياً، 20 منها محاضرات الجامعة.

بعدها بعام أنشأنا فريق تدريب تطوّعي مع برنامج حياة تِك، أتعلمين من كان أغلب أعضاء الفريق؟ أغلبهن طالبات حملن مواد في المستوى الأول والثاني، إلا أنّ مهاراتهن في الترجمة كانت ذات مستوى عالٍ بالنسبة لسنّهن (السنة الثالثة ). كان هذا البرنامج بذرة مشروع إدراك الترجمة.

لا أقول ما قلت لأهوّن موضوع الدرجات المنخفضة في المواد أو حملها، إذ شرطتها ببذل الوسع وهذا ولا أشكر لمن بذل جهده وتفوّق نتيجته، إنما لأقول أنّ هناك حكمة إلهية، ستتبين في محطةٍ ما، اصبري يا مودّة وهتتعوّض : ) .

من المبكّر جدّاً يا مود!ة أن نحكم على تخصص اختاره الإنسان – بإملاء من أحد أو ببرمجة مجتمعية – أنه غير مناسب له، خاصة وأنه ليس لديه بديل أو توجّه آخر ولم يستكشف التخصصات الأخرى يوختار منها بملء إرادته. تعرفي على التخصصات الأخرى، بقراءة الخطط والتعرف على طالبات منها ومتخصصين فيها، وستجدين بوصلتك حتماً مع الالتزام طبعاً بالمذاكرة لتخصصك الحالي : ) .

الأساتذة دائماً عنصر، وهم من منظومة تشكّل الحياة الجامعية، هم ليسوا كل شيء، إنما سبب. فإما أن نستفيد منهم ونصنع معهم مجداً، أو أن نمضي في سبيلنا دون أنّ يُعرقل مسيرنا بهم. يذهبون، وتبقين أنتِ وحدك مع العلم.

لفتني كلام أحدهم مرّة لما قال: “الجامعة وُضعت لتُخرّج العلماء، scientists “، والعالم كائن بحّاثة، يتلقى المعلومة ويجرّبها، أستاذه يُرشده ويفتح عينيه، لكن لا يُلقمه العِلم. أتدرين ما الذي يليق بك يا مودّة؟ أن تصنعي من نفسك عالمة، لا تنتظر شفقة أحد ولو أتى على هيئة مساعدة من أستاذ بدرجاتٍ أو تعويضات.

لو عاد بي الزمن، لاستزدت من التجارب واستمتعت بما كنتُ أتعلمه أكثر وما قلقتُ كثيراً على الدرجات، القلق صحّي بطبيعة الحال، لكنّه مُدمّر إذا تجاوز حدّه وكان الشُغل الشاغل واعتقدنا أن المعدّل هو ما يعرّفنا في هذه الحياة. أحب عبارة أستاذتنا إنعام بريمان:

“إذا درستٍ لتستمتعي، تحصلي على الدرجات، إذا درستٍ للدرجات، تخسري الدرجات والاستمتاع.”

عملتُ بها، ووجدتُ العلم رحباً والجامعة ميدان.

ماذا علينا أن نفعل حتى نصل محطة العوض؟ امسكي القلم واكتبي:

  1. الاجتهاد في المذاكرة وفق نظام صحيح ومناسب – Work smart, not hard –
  2. الإبحار في المصادر والمواقع – you’re looking for excellence-
  3. الاستمتاع خلال التعلّم.
  4. المواظبة على النّفل وكل ما هو فوق الواجب الشرعي، لأن هناك توفيق إلهي خفيّ لا يأتي إلا لمن اقترب من الإله، وبحسب الاقتراب يكون التوفيق.
  5. الحفاظ على ورد يومي من القرآن، لِمَه؟ لأن هناك تجليّات في التخصص – مهما كان – لا يُتوصّل إليها إلا بنور إلهي، وبصيرة حادّة، وكلما زدتِ وردك، ازدادت قوة البصيرة.
  6. الالتزام بنظام صحّي – تذكرين حين كنت أسمح بالمشروبات الخالية من السكّر؟ دون غيرها .. لأن استهلاك السكّر يؤثر على النفسية ويُثقلها- والالتزام بالرياضة والنوم الصحّي.
  7. النفع المتعديّ – متى تثبت المعلومات ونتطوّر داخلنا تقييماً ذاتياً لمعارفنا وأنفسنا؟ إذا نقلنا ما نعرف لمن لا يعرف، ايّاً كانت الوسيلة.
  8. تراسليني بين فترة وفترة لأعرف أخبارك وتقدمّك : )

ختاماً، أهديك هذه التدوينة: كيف تخطينا كل هذا؟

اصبري يا مودّة، هتعدي وهتتعوّض : )

الثقب الأسود الشرير


ذكرت في تدوينة سابقة ( هنا ) أنّه:


تظل بعض المشاعر والأفكار حبيسة حتى تجد لها القالب اللغوي الذي يعبّر عنها بدقّة. في كل مرّة أواجه هذا العجز أتّهم مستواي اللغوي، وليس اللغة، لا العربية ولا أي لغة أخرى أعرفها.

وخلال تخطيطي لهذه التدوينة الأسبوع الماضي – حيث أكتبها من باب رفع الاحتباس عن أفكار الناس – ، أُعلن عن التقاط أوّل صورة لثقب أسود حقيقي في الفضاء، أدهشني توارد الأفكار بيني وبين علماء ناسا : )

نعرف جميعاً نظرية الثقب الأسود منذ أن كنا أطفالاً، ومن قرأ في الإعجاز العلمي يعرف على أيّ الآيات أُنزل -وقد توقفت عن القراءة في هذا النوع من الإعجاز منذ فترة طويلة لكني كلما مررت بتلك الآيات تذكرت ذاك الربط – . وملخصها:

الثقب الأسود هو مساحة في الفضاء ذات جاذبية عالية، الضوء والصوت والجزيئات أياً كانت إذا ما دخلته لا تخرج.

وهذه سلسلة تغريدات للمهندس فهد يفصّل فيها موضوع الثقب الأسود.

وما لهذا جمعتكم : ) بل لأخبر عن طريقة إنزال مفهوم الثقب الأسود في الواقع، إذ أنّه المكان الذي تذهب إليه الخطابات المهمة والمعاملات المصيرية وأكواب القهوة والأقلام الزرقاء والدرجات وأشياء أخرى لا نعلمها، ولا يعلم أحد مكانه، لكن الجميع يعلم أنّه يبتلع ما يؤثر على مصائرنا وحيواتنا بدافعٍ شرير .. منه لله : )

في كل مرة يُقال لي: “لا ندري / لم يصلنا ” أقول مباشرة: “فُقد في الثقب الأسود.. لا عليكم” ، فأشعر بهذه السخرية وقد خففت من حنقي، وإن لم تخفف من مصيبتي بطبيعة الحال.

زمن كتابة التدوينة: 21 دقيقة.

اختيار من مقابل متعدد


من مسائل الترجمة المثيرة للإعجاب تعدد مقابلات الكلمة الواحدة في اللغة المترجمة إليها.

كلمة (school)في الإنجليزية مثلاً تعني مدرسة، أي المكان الذي يُقدم التعليم العام للشعب. وفي التعليم الجامعي سنجد أيضاً (school)، لكن لا نترجمها لمدرسة، إنما كليّة. الموضوع مستفيض وما أستعين إلا بمثالٍ أوّلي.

حين نصف سبب رضانا عن تعامل جهة أو فرد أو نتاجه نقول: “شغل احترافي.” وتروّج الجهات لخدماتها بقولها: “خدمات توصيل احترافية / تصميم احترافي / … ” وكل عبارة تتضمن كلمة “احترافي”. المعنى حقيقةً مطاط، ولا تستطيع أحياناً أن تحدد مقابل له في الواقع، إذ هو مأخوذ من الكلمة الإنجليزية (professionality)، والترجمة الحرفية لها “الاحترافية”.

هل الاحترافية تتضمن فعلاً الجانب الإنساني والجانب الأخلاقي في العمل؟ وهو المعنى الذي نقصده باستخدامنا “احترافي.” ، إذ لا نقيّده بإتقان العمل ذاته بل نشمله بسياقِه.

أوّل من لفتنا إلى عدم مناسبة هو ا. عبد الله العرادي ، فكأنه أشعل ضوءاً في سياق مظلم. توقفت عن استخدام “احترافية” إذ كنت أعتبرها مترجمة جزافاً لكن لم أفكر بالبديل حتى كانت وقفة ا. العرادي، وهو أيضاً لم يكن لديه بديل : )

لما وجدت البديل وكأنما اشتعلت فوق رأسي لمبة: وجدتها! الكلمة العربية المناسبة لتصف أخلاقيات وسلوكيات الجهات والأفراد هي “المهنية” إذ تُعرّف بأنها كيفية أداء العمل، بينما “الاحترافية” تعني إتقان العمل.

لأقرّ أنّي في مثل هذه المواقف، حيث تشغلنا قضية لغوية ما ونجد لها حلاً أو إجابة، أقول: الآن أستطيع الموت بسلام : ) .

زمن كتابة التدوينة: 20 دقيقة

ما هي قواك الخارقة؟


في أوّل أسبوع لي في التدريس الجامعي قيل لي: “ياما لك من قلّة الأدب والاستهتار.”

تتعامل في مجتمع الترجمة مع راشدين، قواعد التعامل هي القواعد الخلُلقية والمهنية، وأعدادهم محدودة وتواصلك مع طرف واحد غالباً، واصغر من تعاملت معه كانت في السنة الثالثة في تخصص الترجمة. ثم وبعد اعتياد على هذا السياق الاجتماعي، أنتقل لسياق اجتماعي أوسع أقابل فيه يومياً ما لا يقل عن 100 كائن حيّ ( معدل الشعب ما بين 45 – 50 ، أدرّس ما بين 3 إلى 5 شعب )، ومع بداية كل فصل تصيببني عدوى في العين وتحسس في البشرة وإنفلونزا بسبب هذا التواصل مع هذا العدد الكبير.

مع هذا الاختلاط المكثّف بتلك الكائنات الغضّة، استكشفت أعمق الوجدان والإنسان. كانت الطالبات في البرامج التحضيرية، يعني أعمارهنّ ما بين 17 و20 ، للتو خرجن من تجربة 18 عام من الضبط الوالدي إلى عالم يمثل الصورة المصغرة عن العالم الخارجي. تكوين الشخصية وضبط الانفعالات وطريقة التواصل والسلوكيات وما يختلج الوجدان، كلّها غضّة وعفوية وتلقائية.

هذه التجربة تجربة تأمليّة، آسرة .. أجد نفسي أتامل تحوّلاتهن منذ اليوم الأول إلى الأخير، رؤيتهن للحياة، انفعالاتهنّ وتعبيراتهن الوجدانية. إنّ أوّل شعور غمرني وأرجو أنه لزمني شعور “الرحمة” ، حيث إنّه “تصبر على تعليم الجاهل رحمةً به، تُرشده للطريق شفقةً له.” وإذا علمتَ أنها جزء من رحمة الله تبارك وتعالى، تشعر بأنّك لا تطأ الأرض بل السحب. والشعور الذي تعمّدت عدم الالتفات إليه منذ البداية هو “الحب” ، إذ رغبت بالتيقن منه أولاً ثم التعبير عنه. ما توصلت إليه هو أنّه لا تستطيع أن تكنّ محبةً خاصّة لمئات الأشخاص، إلا أنّي اكتشفت أنّ المحبة العامة يمكن أن تسع الكل وتفيض حتى، فتسير باحثاً عمّن تمنحها له. لم أستطع أن أكره أي طالبة، ليس لدي وقت أصلاً للكره، لماذا أركّز على الكره وعندي ميدان واسع لبذل المحبة؟ .لا أستطيع أن أسمح لنفسي بأن أكره من يجرّب الحياة لوحده أوّل مرة، أغضب نعم وأُستفز لكن لا يجدر أن يشعر بذلك هذا المقبل على الحياة. أركّز على المحبة والرحمة لأنها تعني القبول والبذل والأمان والمجازفة والسياق سياق تعليم وتعلّم. إن علمت الطالبة أنّي أقبل بها وإن أخطأت، ستتعلم، إن علمت أني أحزم معها لأني أرحمها، ستتعلم، إن علمت أنّ هناك من سيعطيها بلا انتظار سوى أن تنجح في حياتها، ستتعلم، وستبذل أقصى ما تستطيع لتتعلّم وتجعل من العالم مكاناً أفضل للعيش.

وقفتُ مرّة أتامل الطالبات خلال حلّهن تمريهن ومناقشتهن إياه بينهن، في تلك الشعبة علمتً بوجود بعض الطالبات ممن لديهن مشكلات مع أهاليهن وصلت للنبذ. كانت تلك اللحظة مُلهمة .. “يا الله! من يُفرط بمحبة هؤلاء؟!” ولأقرّ أني أحياناً أطلب من الطالبة أن تعود لي بعد دقائق لأنها تتحدث بطريقة لطيفة جداً ستؤثر على قراري فيما ستطلبه. هل أُهلوس؟ أم أنّي ما زلت في لُجّة التجربة الأولى .. لكن مرّت ستة فصول دراسية وما زلت أجد ذلك! أجد في قلبي رحمةً ومحبة وتفاعلاً معهن، أجدني أستمتع بعفويتهنّ وسجيّتهن، أجدني أتّخذ من حالاتهن الخاصة مغامرة أرى فيها مدى قواي الخارقة بوصفي مدرّسة!

بعد ثمانية أشهر من التدريس، عُدت لتلك المجموعة وقلت: “قيل لي إني سأواجه كمية قلة أدب مهولة وكسل وإهمال. لم أرَ ذلك!” فكان التبرير: “دفعة هذا العام مختلفة في كل شيء.” لا، لسن مختلفات، هؤلاء بناتنا، البنات سكّر نبات، حتى السيئة منهن في هذا العمر لو وُجدت فلسوئها تفسير ولو أخذت بيدها لسارت معك.

مدة كتابة التدوينة: 40 دقيقة.

— تدوينات ذات صلة:

كيف تخطينا كل هذا؟

moi, je parle français | هذه التدوينة بالعربية


ماذا ستفعل قبل هذا اليوم؟


في أواخر عام 2015 وبدايات 1437 كتبت تدوينة “ماذا بعد الأربعين؟ ” كنتُ أظن حينها أن الخطة التي وضعتها مناسبة مع مساحة كافية للتعديلات، أقرؤها الآن بعد ثلاثة أعوام وأذكر كم كنت أجتهد في مسح الغبش عن رؤيتي كممسحة الزجاج الأمامي في سيارة تسير في طريقٍ وعِر وجوٍّ ممطر، ثم ودون سابق إنذار أقرر اتخاذ طريق آخر بدا هادئاً، إلا أن هذا الهدوء مُوحش، وإزالة للوحشة، تركتُ السيّارة وأكملت الطريق على قدميّ، وأعلم أني إذا ما أغمضتُ عينيّ سيفوتني شيء من الطريق أو سيهجم عليّ خطر من حيث لا أحتسب.

في تلك الفترة كانت فكرة الانفتاح على الموت بوصفها حقيقة من حقائق هذه الدُنيا: “إنّك ميّت وإنهم ميّتون” | “وما جعلنا لبشرٍ من قبلك الخلد أفإن متّ فهم الخالدون” أقوى – رغم أنها لم تغب – ، المهم أن لا يتمناه المسلم لخيبةٍ أو يأس من هذه الحياة أو ضعف وأن لا يكون الحديث عنه متبلداً. هذا المنطلق شاقّ أيضاً. تراجعت هذه القوة – أقصد قوة تقبل الموت والحديث عنه كأي حدث من أحداث الحياة – ثم عادت قويّة هذا العام. ويعجبني ذلك إذ أنّ الإقبال على الحياة والتفاعل معها سيكون أقوى وسأكون أصبر خاصة وأنّ قيم بعض الأولويات اتضّحت، وما لم أستطع الوصول إليه في هذه الحياة استودعته الله واطمأننتُ لذلك : )
هذاما جعلني أُعيد اختيار الأشياء التي أرغب بإنجازها والأشياء التي أرغب بتجربتها قبل أن أموت، ولن أحدّ نفسي بما قبل الأربعين. وفي ذلك يُعد الناس القوائم، قرأت ما قبل العشرين وما قبل الثلاثين وما قبل الأربعين، بعضها واقعي، وبعضها خيالي كذلك الذي كتب “عليك أن تجمع أول مليون دولار قبل بلوغك الثلاثين” . أما قوائم ما قبل الموت – أيّاً كان العمر – فقد كانت متنوعة، النسخ العربية لم تكن مشوّقة أو غريبة أو جذابة كما النسخ الإنجليزية.

شدّني هذا الموقع (List Challenges ) تكفيك الصور لتفهم المغامرات أو التحديّات، وبعضها مصنّف – القائمة التي وضعتها غامة، وهناك قائمة للكتب وأخرى للأطعمة وثالثة للسفر وغيرها. تعرفت خلال البحث عن القوائم كتاب عن ( 100 شيء لابد أن تفعله في هيوستن قبل أن تموت ) ، أعجبتني الفكرة، وأرجو أن لها مثيلات للمدن الإسلامية والمدن العربية. وأيضاً تعرفت على هذه المدونة لرحّالة أعدت قوائم كثيرة ومتنوعة لكل شيء تقريباً هنا .

وأنت .. ماذا ستفعل قبل أن يأتيك* الموت؟

[ * : هذه لطيفة لغوية: الفعل “أتى” يعني أن الشيء يصل فجأة.]

زمن كتابة التدوينة: 27 دقيقة.


من قواعد العمل: تليفون خربان


تنهال عليك النصائح حين تبدأ عملاً ما من كل طرف، الإيجابية والسلبية، المُنقع منها والمُقنّع، الذاتية والموضوعية. هناك ما هو متعلّق بالمهمة ذاتها، وهناك ما هو متعلّق بالعلاقات الإنسانية في بيئة العمل.

ما أعتقده هو أن متطلبات المهمة ذاتها متعلقّة بك: ما تعرفه وما ترغب بمعرفته وتحسينك لأدائك، يعني تبدأ بك وتنتهي، هذا في العموم. أما سيرها فهو متعلق بالبيئة والعلاقات المحيطة. وفي هذه التدوينة سأركز على العلاقة مع العاملين في بيئة العمل.

سأحاول أن لا ألعب دور الأستاذ، إنما المُجرّب. في المجتمعات الإنسانية عموماً تتفشى ظاهرة “التليفون الخربان” ، وأقصد به أن الخبر يبدأ بجملة واحدة ( فُلان خرج قبل انتهاء الدوام) ، لينتهي بقصة درامية ( فلان خرج من الدوام لأن جاءءه اتصال أن أخاه تعرض لحادث وأمه أصيبت بجلطة قلبية وابنه غرق في بحر الرياض) أو ( فلان خرج قبل انتهاء الدوام لأن ابن عم خالة جده هو ابن جار المدير التنفيذي للشركة قبل عشر سنوات ).

ما السبب؟

النميمة والغيبة وتتبع عورات الناس. خرج فلان قبل انتهاء الدوام ما شأنك ولستَ مديره؟ خرج ما شأن زميلك لتخبره؟ خرج ما شأنك لتعرف لمَِ خرج وأين توجّه؟ تقول كلمة، يلتقطها زميلك ويضيف عليها أخرى، وزميل آخر يُبهّر، ورابع يُهلوس ويدمج هلوسته بما سمع، وأخيراً نحصل على سيناريو لشخص وصل بيته ونام في أمان الله.

يفعل بعض الناس ذلك لمجرد إثراء المجلس، لكنه لا يُدرك أن هذا الإثراء السخيف المنحط لا يضخ إلا الغِل والغيض في النفوس البشرية الهشّة التي ترزأ تحت مطحنة العمل ( ولي في ذلك رأي ليس هذا محل بسطه).

لطالما كررت امي الفاضلة عليّ هذه النصيحة، ووجدت نفعها طبعاً بأن كان رأسي هادئاً، لأقرأها مرّة في كتاب قواعد العمل (The Rules of Work) وملخصه الصوتيّ هنا حيث حذر الكاتب من عدة أمور، طويلة لكن مهمة جداً، منها: لا تنمّ، ولا تغتب ولا تفعل ما يخالف الأنظمة خاصة لرئيسك، فإذا ما فعلتها مرة ستفعلها مرة ثم مرة ثم مرة حتى تغرق وتصبح مثلهم.
موقف: مرّة خرجت من الدوام في وقتي المعتاد – المثبت في النظام – أمام العالمين، فسألت عني زميلة زميلة أخرى لا تعرف مواعيد دوامي لاختلاف التخصص لكن رأتني خارجة فأجابت: “خرجت .. ربما عندها موعد”. لأتفاجأ من الغد بزميلة لا علاقة لي بعملها لتسألني: “عسى ما شر! سمعنا إنك بالمستشفى .. عسى ما فيكم شي؟! ” .. لأعرف لاحقاً أن زميلة رابعة كانت مارة قدراً على الزميلتين السابقتين وسمعت جملة تلك.

ضحكت حقيقة، وتذكرني مثل هذه المواقف بالشياطين التي تسترق السمع فتأخذ الكلمة من السماء، وكل شيطان يضع عليها ألف كذبة حتى تصل الأرض وقد تألّفت أقدار كاذبة تأسير الموهومين. وأتمثل بالبيت:

أنامُ مِلْءَ جُفُوني عَنْ شَوَارِدِهَا …. وَيَسْهَرُ الخَلْقُ جَرّاهَا وَيخْتَصِمُ أنام ملأ

زمن كتابة التدوينة: 22 دقيقة